من خلال تطبيق هذا الإطار، تمكن الفريق لأول مرة من استخلاص مقياس مباشر للتشابك من مادة صلبة، وهو خروج صارخ عن التجارب التقليدية التي تعتمد على تحضير وعزل دقيق للحالة الكمومية.
الباحثون، بقيادة البروفيسورة سيلكه بوهلر-باشن (Silke Bühler-Paschen) في الجامعة التقنية في فيينا، لم يحاولوا وضع البلورة بأكملها في حالة تراكب كمومي – وهو أمر مستحيل عملياً لجسم بهذا الحجم. بدلاً من ذلك، استخدموا تقنية تشتت النيوترونات غير المرن (inelastic neutron scattering) في معهد لاو-لانجفان (ILL) في غرونوبل بفرنسا لقياس دالة الارتباط الديناميكي للغزل للمادة، S(q, ω, T). ببساطة، قاموا بقصف البلورة بالنيوترونات وراقبوا كيف تتحرك وتتذبذب لفات جسيمات المادة معاً كدالة في الطاقة والزخم ودرجة الحرارة .
عندما طبقوا معادلات معلومات فيشر الكمية على بيانات التشتت، كانت النتائج مذهلة. الاستجابة الجماعية للبلورة كانت أقوى بكثير من أن تُفسر بجسيمات مستقلة. كثافة معلومات فيشر الكمية بلغت f_Q = 8.2 ± 0.9 عند أدنى درجة حرارة تم قياسها، وهي قيمة تتوافق رياضياً مع مجموعة من تسعة كيانات كمومية متشابكة على الأقل تعمل معاً. بلغ التشابك ذروته عند أبرد درجة حرارة في التجربة وهي 60 ملي كلفن (أي 0.06 درجة فوق الصفر المطلق) وبالقرب من مجال مغناطيسي يقارب 1.73 تسلا، بالضبط عند النقطة الحرجة الكمومية حيث يحدث تدمير كوندو. عندما تم تبريد البلورة من 10 كلفن إلى 60 ملي كلفن، قفزت كثافة معلومات فيشر الكمية بنحو 40 ضعفاً دون أي علامة على التشبع، مما يشير إلى إمكانية وجود تشابك أقوى عند درجات حرارة أقل ,
.
تقدم النتائج سردية جديدة ومقنعة لأحد أكبر الألغاز في فيزياء المادة المكثفة. المعادن الغريبة لا توصل الكهرباء مثل المعادن العادية. إلكتروناتها تبدو وكأنها تفقد هويتها الفردية لتشكل "حساءً كمومياً" جماعياً. هذه التجربة تربط بشكل مباشر بين انهيار شبه الجسيمات عند نقطة تدمير كوندو الحرجة الكمومية وزيادة هائلة في التشابك متعدد الأطراف ,
. المقاومة الكهربائية التي تزداد خطياً مع درجة الحرارة، والتي تميز المعادن الغريبة، قد لا تكون بصمة للفوضى أو تشتت بسيط، بل قد تكون توقيعاً لحالة كمومية جماعية عالية التشابك.
إلى جانب تفسير المعادن الغريبة، يمهد هذا العمل طريقاً عملياً نحو تكنولوجيا الكم. معلومات فيشر الكمية ليست مجرد كاشف للتشابك، بل هي أيضاً الكمية المركزية في علم القياس الكمي، وهو علم القياس فائق الدقة. المادة التي تُظهر تشابكاً داخلياً قوياً ومستقراً هي منصة طبيعية لصنع مستشعر فائق الحساسية. إذا أمكن الحفاظ على هذا التشابك في درجات حرارة أعلى وأكثر عملية، يمكن استخدام هذه المواد في كل شيء بدءاً من استشعار المجالات المغناطيسية وصولاً إلى رصد الموجات الثقالية. الدراسة تفتح الباب أيضاً لاستخدام تقنيات تعتمد على معلومات فيشر الكمية لفحص مواد كمومية أخرى بشكل منهجي، بما في ذلك الموصلات الفائقة عالية الحرارة، بحثاً عن التشابك الماكروسكوبي ,
.
الدراسة كانت ثمرة تعاون دولي. العمل التجريبي قادته مجموعة سيلكه بوهلر-باشن في الجامعة التقنية في فيينا، حيث أجرى طالب الدكتوراه فيديريكو مازا تجارب تشتت النيوترونات في معهد لاو-لانجفان في غرونوبل. الأساس النظري بناه فريق بيتر زولر في جامعة إنسبروك، مع مساهمات إضافية من تشيمياو سي من جامعة رايس، الذي درست مجموعته آلية تدمير كوندو في مركب Ce₃Pd₂₀Si₆ لفترة طويلة.
من خلال توحيد الأدوات المجردة لنظرية المعلومات الكمية مع الواقع "الفوضوي" للمادة الصلبة، بنى الفريق جسراً بين مجالين كانا بعيدين عن بعضهما. لقد منحوا الفيزيائيين طريقة جديدة لمشاهدة "الفعل الشبحي عن بعد" الذي شك فيه أينشتاين، ليس في غرفة مفرغة من الهواء، بل داخل بلورة صغيرة لامعة ترقد على مرأى من الجميع.
Comments
0 comments