في خطوة دبلوماسية نادرة، استقبل الرئيس شي جين بينغ في العاشر من أبريل 2026، رئيسة حزب الكومينتانغ (KMT) المعارض، تشنغ لي وون، في قاعة الشعب الكبرى ببكين. يُعد هذا اللقاء هو الأول من نوعه وجهاً لوجه بين زعيم الحزب الشيوعي الصيني وأحد زعماء الأحزاب السياسية الرئيسية في تايوان منذ عقد كامل، وتحديداً منذ قمة "ما شي" التاريخية عام 2015
.
خلال اللقاء، أكد شي روايته المعتادة بأن "أبناء شطري المضيق هم عائلة واحدة" وأن تيار الاقتراب بينهم "ضرورة تاريخية" لا يمكن لأحد أن يمنعها
. كما شدد على رفضه لـ"استقلال تايوان" وتدخل القوى الخارجية، قائلاً إن مصير العلاقات عبر المضيق يجب أن يكون "ثابتاً في أيدي الشعب الصيني"
.
من جانبها، قدمت تشنغ خمسة مقترحات، أبرزها الدعوة إلى "إطار سلام عبر المضيق" وإفساح المجال لعودة تايوان للمشاركة في منظمة الصحة العالمية ومنظمة الطيران المدني الدولي . لكن اللافت أن تشنغ صرّحت في مقابلة لاحقة مع الإذاعة الوطنية الأمريكية (NPR) بأن حديثها مع شي لم يتطرق بتاتاً إلى كلمة "إعادة التوحيد"، قائلة: "في الوقت الحالي، لا نملك الظروف اللازمة لمعالجة هذا الموضوع"
.
بعد ستة أيام فقط من زيارة تشنغ، أعلنت بكين عن حزمة من عشر مبادرات لتعزيز التبادلات الاقتصادية والثقافية مع تايوان، شملت استئناف الرحلات الجوية المباشرة، إعادة فتح مسارات السياحة، تخفيف القيود على التجارة الزراعية، وتوسيع نطاق الوصول الثقافي . تجسد هذه الخطوات جوهر استراتيجية "العصا والجزرة" الصينية، حيث تُقدم الحوافز للقوى السياسية المنفتحة على الحوار مقابل المزيد من العزلة للحكومة الحالية.
في الجانب الآخر من المحيط الهادئ، اتخذت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موقفاً أقل تصادمية بشكل لافت. ففي فبراير 2026، أرجأت الإدارة الإعلان عن حزمة مبيعات أسلحة ضخمة لتايوان لتجنب إغضاب شي جين بينغ قبيل زيارة ترامب المزمعة لبكين
. الهدف كان واضحاً: تحويل هذه الصفقة إلى "ورقة مساومة" مع الصين.
في مقابلة مع قناة "فوكس نيوز" من بكين في مايو 2026، كان ترامب صريحاً بشكل غير مسبوق، قائلاً عن الصفقة التي تبلغ قيمتها حوالي 14 مليار دولار: "أنا أحتفظ بها معلقة. إنها ورقة مساومة جيدة جداً لنا"
. وعندما سُئل على متن طائرة الرئاسة عما إذا كان سيوافق على الصفقة، أجاب: "لم أوافق بعد. سنرى ما سيحدث. قد أفعلها، وقد لا أفعلها"
.
حاول البنتاغون لاحقاً تبرير هذا التعليق بالقول إنه بسبب احتياجات الذخيرة في الصراع مع إيران، لكن المحللين والخبراء رفضوا هذا التفسير على نطاق واسع. وأكدوا لصحيفة "الغارديان" أن الصفقة التي تبلغ قيمتها 14 مليار دولار قد تستغرق سنوات لاستكمالها، مما يجعل "من غير المنطقي" ربطها بالعمليات في الخليج .
هذا الموقف أربك تايبيه. فقد صرحت وزارة الدفاع التايوانية أنها لم تكن على علم بأي "تعديلات"، لتفاجأ بتصريحات مسؤولين أمريكيين عن "إيقاف مؤقت" للمبيعات . وأثار التأخير غضباً من الحزبين في واشنطن، حيث حث تحالف من أعضاء مجلس الشيوخ الرئيس على المضي قدماً في الصفقة، محذرين من أنها إشارة حاسمة لالتزام واشنطن بأمن تايوان
.
في تايبيه، قوبلت زيارة تشنغ بموجة من الانتقادات اللاذعة من الحزب الديمقراطي التقدمي (DPP) الحاكم. حث الحزب على لسان متحدثيه الكومينتانغ على "إدانة تهديدات الصين" بدلاً من التصرف "كمنصة إعلامية لبكين" . واتهم نواب من الحزب الحزبَ المعارض باستخدام لغته لمصطلحات "تكاد تكون نسخة طبق الأصل" من نصوص الحزب الشيوعي الصيني، مثل "استفزاز استقلال تايوان" و"السعي للاستقلال بالاعتماد على أمريكا"
.
الأخطر من ذلك، تزامنت الزيارة مع فترة تعثر فيها إقرار ميزانية دفاعية خاصة كبيرة في البرلمان التايواني، حيث يمتلك الكومينتانغ نفوذاً كبيراً. أثار هذا التوقيت شكوكاً عميقة بأن الحزب يستخدم مشاركته السياسية مع بكين لتعطيل أو تأخير عمليات الشراء الدفاعية
. واتهم الرئيس التايواني لاي تشينغ تي الكومينتانغ قائلاً: "يعلمنا التاريخ أن مسايرة الأنظمة الاستبدادية تضحي بالسيادة"
.
انكشف الانقسام ليس فقط بين الأحزاب، بل داخل الكومينتانغ نفسه، بين جناح "الأزرق العميق" المؤيد لعلاقات أوثق مع بكين، والأعضاء الأكثر اعتدالاً القلقين من انكشاف قيادة حزبهم على الحكام الشيوعيين .
فيما تتكشف "مسرحية السلام"، تدق أجراس الإنذار في واشنطن. يكشف تحليل أجرته وزارة الحرب الأمريكية لما يُسمى بـ"لوحة قيادة تايوان" الخاصة بشي جين بينغ أن 11 من أصل 13 مؤشراً تدعم تحركاً عسكرياً وشيكاً
. الدراسة تحذر من "نافذة فرص تضيق" قد تدفع شي نحو حل عسكري عاجلاً وليس آجلاً.
يُشار إلى عام 2027 على أنه الموعد النهائي الداخلي لجاهزية جيش التحرير الشعبي الصيني، بينما يُنظر إلى عام 2026 بشكل متزايد على أنه "عام الإغراء"، حيث يمكن أن تتوافق الظروف المؤاتية للتحرك . هذا القلق لا يقتصر على التحليلات الغربية. فأجهزة الأمن التايوانية نفسها تدق ناقوس الخطر من فجوة متسعة بين خطاب بكين العلني وأفعالها، مشيرة إلى ارتفاع حاد في النشاط العسكري الصيني، بما في ذلك نشر سفن حربية وطائرات حول الجزيرة، حتى أثناء الترويج للحوار
.
Comments
0 comments