لم تكن المالية السعودية في أفضل أحوالها حتى قبل هذا الانهيار. ففي الربع الأول من عام 2026، سجلت المملكة عجزًا فصليًا ضخمًا بلغ 125.7 مليار ريال (33.5 مليار دولار)، وهو الأعلى منذ عام 2018، والأكبر على الإطلاق كرقم فصلي مُطلق .
الأمر الأكثر إثارة للقلق أن هذا العجز، الذي تحقق في ثلاثة أشهر فقط، يُمثل 76% من إجمالي العجز المتوقع للسنة المالية بأكملها والبالغ 165 مليار ريال (44 مليار دولار) . وجاء هذا العجز نتيجة تضافر عاملين: انخفاض الإيرادات النفطية بنسبة 3% على أساس سنوي، وارتفاع حاد في الإنفاق الحكومي بنسبة 20% ليصل إلى حوالي 387 مليار ريال (103.2 مليار دولار)
. ومع تهاوي أسعار النفط الحالي، يبدو هدف العجز السنوي بعيد المنال، ومن المرجح أن يتجاوزه بفارق كبير ما لم تُتخذ إجراءات تقشفية عاجلة.
لتغطية العجز المتصاعد وتمويل المشاريع الكبرى، تتجه المملكة نحو الاقتراض بوتيرة متسارعة، وهو ما يزيد من هشاشة الموقف المالي:
تُعتبر توزيعات أرباح شركة "أرامكو السعودية" شريان حياة حيويًا للميزانية العامة، حيث تمتلك الحكومة 81.5% من أسهمها، ويستحوذ صندوق الاستثمارات العامة على 16%، مما يعني أن 98% من التوزيعات تتدفق إلى خزينة الدولة وصندوقها السيادي .
لكن هذا الشريان يُعاني من خلل واضح:
مع استمرار ضعف أسعار النفط، يصبح الحفاظ على هذا المستوى المرتفع من التوزيعات أصعب، مما يهدد مصدر تمويل حيوي للميزانية ويضع ضغوطًا إضافية على الوضع المالي للدولة.
في حين لا تُقدم المصادر المتاحة رقمًا محددًا لاستنزاف الاحتياطيات النقدية لصندوق الاستثمارات العامة اعتبارًا من يونيو 2026، إلا أن الأدلة تُشير بوضوح إلى تزايد الضغوط التمويلية. فقد زادت احتياجات الإنفاق المرتبطة بـ "رؤية 2030" من اعتماد المملكة على الاقتراض، مما يكثف الضغط المالي .
يلعب الصندوق دورًا مزدوجًا كمستفيد من توزيعات أرامكو وكمحرك رئيسي للإنفاق على المشاريع العملاقة. ومع تراجع التدفقات النقدية المرتبطة بالنفط، بالتزامن مع استمرار متطلبات الإنفاق الرأسمالي الضخم، من المرجح أن تزداد الضغوط التمويلية على الصندوق، مما قد يدفع إلى مزيد من الاقتراض أو بيع الأصول أو إعادة ترتيب أولويات المشاريع.
يمكن تلخيص الموقف المالي الصعب الذي تواجهه المملكة على النحو التالي:
باختصار، إطار السلام الأمريكي الإيراني يزيل "علاوة الحرب" التي دعمت أسعار النفط وأسهمت في تخفيف حدة الأزمة المالية السعودية ولو بشكل مؤقت . والآن، تواجه المملكة واقعًا ماليًا قاسيًا: عجز في الربع الأول التهم معظم توقعات العام، دين عام يتسلق بسرعة، وسيط نقدي رئيسي (أرامكو) يُكافح لتغطية التزاماته من التدفقات النقدية. في ظل غياب تخفيضات كبيرة في الإنفاق، أو زيادة غير متوقعة في الإيرادات غير النفطية، أو مزيد من الاقتراض، فإن استمرار انخفاض أسعار النفط سيدفع السعودية نحو عجز أعمق وتراكم أسرع للديون.
Comments
0 comments