أظهرت أحداث نهاية الأسبوع ذاك الاستقطاب الحاد في النقاش العام، إنه صدام بين حركات اليمين المتطرف التي تكتسب زخماً سياسياً، وردود فعل تضامنية قوية مؤيدة للمهاجرين، ومحاولات سياسية من أعلى الهرم لاستعادة السيطرة على حدود أوروبا. وهذا يشير إلى دخول القضية التي شكلت السياسة الأوروبية لعقد كامل في فصل جديد أكثر تقلباً.
في 13 يونيو، تحولت شوارع روما إلى مسرح لمواجهة سياسية صارخة . فقد سار نحو 3,000 من متظاهري اليمين المتطرف في حي براتي تحت شعار "إعادة الهجرة والاسترداد"، وهي مبادرة شعبية تطالب بالترحيل القسري للمهاجرين غير النظاميين وحتى الأجانب المقيمين قانونياً غير المندمجين . وشهدت المسيرة، التي قادها الجنرال السابق روبيرتو فاناتشي، متظاهرين يؤدون تحيات فاشية ويهتفون "دوتشي!" في إشارة إلى موسوليني .
استند زخم المسيرة إلى عملية سياسية رسمية، إذ نجحت حركة "إعادة الهجرة والاسترداد" في جمع 50,000 توقيع على عريضة، وهو حد دستوري يُلزم البرلمان بعقد نقاش حول عمليات الترحيل الجماعي للمهاجرين . وقد نقلت هذه الآلية أفكار اليمين المتطرف من الهوامش إلى صلب التيار السياسي الإيطالي، مما دفع إلى التظاهر العلني . واستغل فاناتشي المناسبة لإطلاق حزبه القومي المستقبلي "فوتورو ناتسيونالي"، مصرحاً بأنه "لا ينبغي السماح لأي شخص بدخول إيطاليا" . ويحظى حزبه حالياً بنسبة تأييد 4.5% في استطلاعات الرأي، وهو رقم يزيد من تعقيد فرص إعادة انتخاب رئيسة الوزراء جورجا ميلوني من معسكر اليمين .
قوبلت مسيرة اليمين المتطرف بمسيرة مضادة مؤيدة للهجرة جذبت عشرات الآلاف من المتظاهرين في منطقة أخرى من العاصمة . وتم نشر الآلاف من عناصر الشرطة لفصل الجانبين، وأفادت السلطات بأن اليوم مر دون أعمال عنف . إن المشهد الصارخ للمسيرات المتعارضة في اليوم نفسه، والذي أثارته عريضة يمينية متطرفة رسمية، يظهر كيف أن قضية الهجرة تتجاوز الجدل السياسي لتتحول إلى مواجهة جماهيرية محتدمة، حتى داخل الدول المؤسسة للاتحاد الأوروبي.
بينما نُظمت احتجاجات روما حول عريضة سياسية، كانت التظاهرة الحاشدة في بلفاست رداً مباشراً على عنف الشارع. ففي يوم السبت نفسه، تجمع الآلاف خارج مبنى بلدية بلفاست في مسيرة وصفتها عدة وسائل إعلام ومنظمون بأنها أضخم مظاهرة مناهضة للعنصرية تشهدها المدينة في تاريخها . المسيرة التي حملت اسم "معاً ضد الكراهية"، نظمتها مجموعة "متحدون ضد العنصرية" لاستعادة الفضاء العام بعد أيام من الاضطرابات .
اندلعت الاضطرابات بعد أن انتشر على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لاعتداء بسكين على رجل يدعى ستيفن أوجيلفي في شمال بلفاست في 8 يونيو . فقد أوجيلفي عيناً وأصيب بجروح عميقة في رأسه ووجهه وظهره في الهجوم، ووجهت إلى أحد المشتبه بهم تهمة الشروع في القتل . وسرعان ما أصبح مقطع الفيديو محفزاً لتعبئة مجموعات اليمين المتطرف، مما أدى إلى مظاهرات عنيفة معادية للمهاجرين في أنحاء المدينة .
كان العنف الذي أعقب ذلك شديداً، حيث استهدفت هجمات حرق متعمد منازل مهاجرين، وأُضرمت النار في حافلة، وأُلقي الطوب والقنابل الحارقة على الشرطة . وأسفر الدمار عن تشريد أكثر من عشرين شخصاً، وإصابة 12 ضابط شرطة، واعتقال 23 شخصاً . ومع نهاية الأسبوع، كان رد المجتمع هائلاً.
قُدّر عدد الحاضرين في مسيرة "معاً ضد الكراهية" بنحو 3,000 شخص . ورفع المتظاهرون لافتات كتبوا عليها بأيديهم شعارات مثل "أيها العنصريون عودوا إلى دياركم" و"المشكلة هي الشر والعنف، لا العرق"، فيما هتف الحشد "قولوها عالية، قولوها بوضوح، اللاجئون مرحب بهم هنا" . وكانت الأحزاب السياسية والنقابات العمالية ممثلة في الحشد . ومن على المنصة، وجهت إحدى المتحدثات رسالة مباشرة إلى فصائل اليمين المتطرف: "غادروا مجتمعاتنا – لن نقبل بوجودكم في أحيائنا" . لقد وجهت المسيرة التي استمرت قرابة ساعتين إشارة قوية بأنه بينما يمكن لعنف اليمين المتطرف أن يهيمن مؤقتاً على عناوين الأخبار، فإن تحالفاً واسعاً من المجتمع المدني مستعد للتعبئة رداً على ذلك.
قبل احتجاجات نهاية الأسبوع بيوم واحد، في 12 يونيو، دخل "ميثاق الهجرة واللجوء" الخاص بالاتحاد الأوروبي حيّز التنفيذ رسمياً في جميع الدول الأعضاء الـ27 . يمثل هذا التعديل الإصلاح الأهم لقواعد اللجوء والحدود في التكتل منذ عقد، وقد تم تبنيه في مايو 2024 بعد فترة انتقالية استمرت عامين . الميثاق عبارة عن مجموعة من 10 تشريعات ملزمة تؤسس لإطار عمل مشترك لإدارة الهجرة .
الهدف الأساسي هو نقل التكتل مما كان يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه نمط استجابة للأزمات إلى نهج أكثر منهجية يركز على رقابة حدودية أكثر صرامة وعمليات ترحيل أسرع. وتلزم القواعد الجديدة أي شخص يصل بشكل غير نظامي إلى الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، بمن فيهم أولئك الذين يتم إنقاذهم في البحر، بالخضوع بشكل إلزامي لفحوصات الهوية والأمن والصحة . ويجب إتمام هذه العملية في غضون سبعة أيام على الحدود، أو في غضون ثلاثة أيام إذا أُلقي القبض على الشخص على الأراضي الوطنية . وسيتم توجيه طلبات اللجوء التي تعتبر غير مؤسسة إلى إجراءات حدودية سريعة .
كما تشكل "آلية التضامن" الجديدة محوراً أساسياً في الميثاق، فهي تلزم الدول الأعضاء بالمشاركة في تقاسم الأعباء، لكنها تتيح لها خياراً: فيمكنها قبول عمليات نقل طالبي اللجوء من دول المواجهة الأمامية، أو تقديم مساهمة مالية، أو تقديم دعم تشغيلي، أو استخدام "مقاصة المسؤولية" . صممت هذه المرونة المضمنة للتغلب على الجمود السياسي الذي شل سياسة الهجرة في الاتحاد الأوروبي لسنوات.
ومع ذلك، فإن تنفيذ الميثاق يواجه على الفور شكوكاً وانتقادات. فقد أشار محللون إلى أن العديد من الدول الأعضاء قد لا تكون مستعدة لتطبيق القواعد الجديدة بالكامل، ويرى منتقدون أن الإطار يمثل تحولاً جوهرياً نحو الردع والترحيل بدلاً من تقاسم حقيقي للمسؤولية . ونشرت هيومن رايتس ووتش أسئلة وأجوبة مفصلة قبل يومين فقط من بدء نفاذ الميثاق، محذرة من أن القواعد الجديدة "ستقوض الحق في اللجوء" من خلال التعجيل في دراسة طلبات الحماية، والحد من الضمانات، وزيادة انتشار ومدة احتجاز طالبي اللجوء . وأشارت المنظمة إلى أن دول الاتحاد الأوروبي ستكون قادرة على حرمان الأشخاص من حق تقديم طلب اللجوء بناءً على استثناءات واسعة للغاية تتعلق بالأمن والنظام العام .
لقد صورت بروكسل الميثاق على أنه إنجاز تاريخي، وبالفعل، أفادت المفوضية في مايو 2026 بأن معظم الدول الأعضاء كانت على المسار الصحيح فيما يتعلق بالتعديلات التشريعية وبناء قدرات الاستقبال المطلوبة للإنفاذ . لكن الاختبار الحقيقي سيكون في التفاصيل التشغيلية، وفيما إذا كان باستطاعة المعالجة السريعة للطلبات على حدود عسكرية أن تتعايش مع الحماية القانونية. والتقارير المبكرة التي تفيد بأن أسئلة الإنفاذ بدأت تظهر بالفعل هي علامة على أن رحلة الميثاق من اتفاق سياسي إلى واقع وظيفي ستكون محفوفة بالمخاطر .
ما يجعل عطلة نهاية الأسبوع الثانية من يونيو 2026 بالغة الأهمية هو هذا التقارب. فتاريخ الإنفاذ الرسمي للميثاق الأوروبي، 12 يونيو، لم يكن مصادفة؛ بل كان يمثل لحظة رمزية وقانونية كانت الحكومات والحركات الاحتجاجية تستعد لها. ومظاهرة اليمين المتطرف في روما في 13 يونيو أثارتها بالتحديد عريضة تسعى إلى الذهاب لأبعد حتى من قواعد الاتحاد الأوروبي الجديدة الأكثر صرامة، من خلال الدعوة إلى "إعادة الهجرة"، أو الترحيل القسري للمقيمين القانونيين الذين يُعتبرون غير مندمجين .
وفي الوقت نفسه، أظهرت الأحداث في بلفاست التقلب الواقعي لقضية الهجرة كقضية اجتماعية عندما تتقاطع مع الجريمة والمعلومات المضللة عبر الإنترنت. فقد كان هجوماً واحداً مروعاً بسكين، ضخمته وسائل التواصل الاجتماعي، كافياً لإشعال أعمال شغب معادية للمهاجرين أرهبت مجتمعاً لأيام وتطلبت تعبئة تاريخية مناهضة للعنصرية للتصدي لها .
تعمل أوروبا الآن في واقع جديد حيث أُعيد بناء سياستها التأسيسية للهجرة حول الردع، بينما تحولت ساحاتها العامة إلى ميادين لمواجهات متطرفة على نحو متزايد حول الهوية الوطنية والأمن وحقوق الإنسان.