كان التأثير الأكثر عنفاً من نصيب أسواق الطاقة. انخفضت العقود الآجلة للنفط الأمريكي بأكثر من 4%، وهو تراجع يعكس إزالة 'علاوة انقطاع الإمدادات' التي كانت مسيطرة على السوق منذ بدء الحرب .
الاتفاق تضمن بنداً محورياً: إعادة فتح مضيق هرمز، الشريان الذي تمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية . ورغم تفاؤل الرئيس الأمريكي السابق ترامب بتغريدته 'دعوا النفط يتدفق!'
، إلا أن شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) خففت من حدة التفاؤل، مشيرة إلى أن العودة الكاملة لعبور النفط عبر المضيق قد لا تتم حتى الربع الأول أو الثاني من عام 2027
. هذا التحذير يبقي قدراً من عدم اليقين في السوق على المدى المنظور.
في مشهد قد يبدو متناقضاً للوهلة الأولى، قفز الذهب بنسبة تتراوح بين 2% و2.7% ليتداول فوق مستوى 4,300 دولار للأونصة، مسجلاً أعلى مستوى له منذ 9 يونيو . فلماذا يرتفع الذهب مع عودة السلام وانحسار المخاطر الجيوسياسية؟
المعادلة هنا معقدة، لكنها منطقية لأعين الخبراء. السر يكمن في 'تأثير الدولار والتضخم'. فمع هبوط النفط، تتراجع ضغوط التضخم العالمية . وعندما يتراجع التضخم، يقل احتياج البنك الفيدرالي الأمريكي لرفع أسعار الفائدة بقوة، مما يخفض 'العوائد الحقيقية' للسندات. وهذا السيناريو هو البيئة المثالية لصعود الذهب، الذي لا يدر عائداً، والذي يصبح فجأة أكثر جاذبية عندما تتراجع جاذبية السندات
.
لم تكن الأسواق الأمريكية بمنأى عن هذه الموجة. في التعاملات المبكرة قبيل افتتاح آسيا، ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر 'إس آند بي 500' بنسبة 0.8%، في حين قفزت عقود 'ناسداك 100' بنسبة 1.2%، مما وفر 'ريادة إيجابية' قوية للأسواق الآسيوية . في جميع أنحاء آسيا، ارتفعت الأسهم والأوراق المالية ذات الدخل الثابت على نطاق واسع
، حيث سارع المستثمرون للخروج من مراكز التحوط المكلفة في النفط والدولار لضخ أموالهم في أصول النمو.
لكن بينما كانت الأسواق تحتفل، كان هناك حدث آخر يهدد بتقويض كل شيء. ففي اليوم نفسه، 14 يونيو، شنت إسرائيل غارة جوية على الضاحية الجنوبية لبيروت، فيما قالت إنه رد على هجمات بطائرات مسيرة شنها حزب الله . أسفرت الغارة عن مقتل 3 أشخاص وإصابة 15 آخرين على الأقل
.
هذه الضربة تمثل تصدعاً خطيراً في أساس الاتفاق. 'مذكرة إسلام آباد' تنص على 'وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان' ، لكن إسرائيل، وهي ليست طرفاً موقعاً على المذكرة، تواصل عملياتها العسكرية ضد حليف إيران الرئيسي. هذا الإجراء يضع علامة استفهام كبيرة حول مصداقية وقابلية تنفيذ وقف إطلاق النار الشامل، ويذكر المستثمرين بأن السلام في الشرق الأوسط غالباً ما يكون هشاً
.
من المهم أن نفهم أن ما تم التوصل إليه ليس معاهدة سلام نهائية، بل مذكرة تفاهم إطارية (تسمى رسمياً 'مذكرة إسلام آباد') تحدد 'فترة تهدئة' لمدة 60 يوماً . خلال هذه الفترة، سيتفاوض الطرفان على القضية الأكثر تعقيداً وشوكاً: البرنامج النووي الإيراني، بما في ذلك مستويات تخصيب اليورانيوم والمخزونات عالية التخصيب
.
إذا فشلت هذه المفاوضات، يمكن أن ينهار الإطار بأكمله، مما يعيد عقارب الساعة إلى الوراء ويعيد للأسواق حالة 'اللايقين' التي سادت قبل الاتفاق. هذا هو الخطر الأكبر الذي يتربص بالمستثمرين المتفائلين .
يأتي كل هذا قبل يوم واحد فقط من بدء اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة (FOMC) في 16-17 يونيو. الانخفاض الحاد في أسعار النفط يمنح البنك الفيدرالي 'مساحة أكبر لإبطاء أو إيقاف' دورة تشديد السياسة النقدية، نظراً لتراجع مخاطر التضخم المرتبطة بالطاقة . الأسواق تسعر هذا السيناريو باعتباره 'رياحاً مواتية' تميل إلى التيسير النقدي. لكن التصريح الرسمي للفيدرالي وتوقعات أعضائه لأسعار الفائدة سيكونان الفيصل في تحديد ما إذا كان هذا التفاؤل سيستمر أم سينقلب إلى موجة هروب جديدة.
بينما يحتفل المتداولون في آسيا اليوم، تبقى عدة شكوك كامنة قد تعصف بهذا التفاؤل:
في الوقت الحالي، تنتصر 'شهية المخاطرة'، لكن العيون كلها تترقب التطورات القادمة من جنيف ومن الضاحية الجنوبية لبيروت.