الجزء الأكثر إثارة في الصورة يقع في ربعها العلوي الأيمن. هناك، تظهر أقواس خافتة ومنحنية من الضوء، وهي ليست جزءاً من العنقود نفسه، بل هي صور مشوهة لمجرات بعيدة جداً تقع خلفه. تخيل أنك تنظر إلى قاع بركة ماء من خلال سطح متموج، سترى الحصى في القاع مشوهاً ومكبراً. هذا بالضبط ما تفعله جاذبية العنقود الهائلة بالضوء.
أبرز هذه الأقواس يظهر مباشرة فوق مجرة إهليلجية عملاقة وساطعة. وفي مشهد أكثر إدهاشاً، بالقرب من مركز الصورة، تظهر عدة منحنيات بيضاء ساطعة تتقاطع لتشكل ما يشبه الرقم ثمانية (∞) بشكل مشوه. يعتقد العلماء أن هذا التشكيل هو صورة لمجرة خلفية واحدة، تم شدها وتضخيمها بشكل كبير بفعل عدسة الجاذبية .
لم تكن هذه الصورة مجرد لقطة سريعة. لقد رصد هابل هذا العنقود كجزء من برنامج علمي يدرس عناقيد المجرات اللامعة في نطاق الأشعة السينية. وللحصول على هذه التفاصيل الدقيقة، استخدم الباحثون كلتا كاميرتي هابل الرئيسيتين معاً:
جمعت الكاميرتان البيانات عبر طيف واسع يشمل الضوء المرئي والأشعة تحت الحمراء . هذا المزج الطيفي ليس للجمال فقط، بل هو مفتاح علمي لفهم طبيعة العنقود ومكوناته. فالضوء تحت الأحمر، على سبيل المثال، يمكنه اختراق سحب الغبار الكوني ليكشف عن مجرات ونشاط نجمي كان سيظل مخفياً.
تمثل عناقيد المجرات، مثل MACS0329‑0211، "علامات إرشادية" بالغة الأهمية في قصة تطور البنية واسعة النطاق للكون . إنها أكبر الهياكل المرتبطة بالجاذبية في الكون، ودراستها تشبه دراسة الحفريات لفهم تاريخ الحياة على الأرض.
كتلتها المهولة تشوه الزمكان، مما يخلق مختبراً طبيعياً لعلماء الفلك:
قد يتساءل البعض: كيف لا يزال هابل، الذي أُطلق في عام 1990، قادراً على تقديم مثل هذه الصور والاكتشافات؟ الإجابة هي مزيج من الهندسة العبقرية والتخطيط بعيد المدى.
في يونيو 2024، واجه هابل مشكلة تقنية مع أحد جيروسكوباته (الأجهزة المسؤولة عن توجيه التلسكوب بدقة)، مما أدخل التلسكوب في "الوضع الآمن" . بعد سلسلة من الاختبارات، قرر فريق المهمة الانتقال إلى "وضع الجيروسكوب الواحد" في 14 يونيو 2024، وهي خطة طوارئ تم وضعها قبل أكثر من عقدين. بنجاح، عاد هابل إلى عملياته العلمية
.
ما هو الثمن؟ خسارة تقدر بحوالي 12% من وقت الرصد، وانخفاض يصل إلى 25% في الإنتاجية العلمية الإجمالية، إضافة إلى بعض القيود على سرعة الحركة وتتبع الأهداف . لكن هذا الثمن يبدو زهيداً مقابل استمرار أحد أعظم الأدوات العلمية في التاريخ.
الأهم من ذلك، أن صورة MACS0329‑0211 ليست حالة شاذة، بل دليل على إنتاجية مستمرة. ففي أسابيع قليلة فقط:
تؤكد هذه الصور جميعاً أن تلسكوب هابل، حتى في عقده الرابع وبوضع تشغيل مخفف، لا يزال يقدم ملاحظات عالية الجودة ومتعددة الأطوال الموجية، كاشفاً أسرار العناقيد المجرية والمجرات الحلزونية والعدسات الثقالية في جميع أنحاء الكون.
Comments
0 comments