في هذه الأثناء، قامت قرابة 40 سفينة كانت عالقة بالتنسيق بهدوء مع البحرية الأميركية في الأسابيع الأخيرة للخروج من الخليج العربي، مع الإشارة إلى أن القوات الأميركية لا تقدم مرافقة، بل تقوم فقط بإبلاغ السفن بالنوافذ الآمنة للعبور .
تعكس الفجوة بين إعلان الإغلاق الرسمي واستمرار بعض عمليات العبور المحدودة الواقع الفوضوي لممر ملاحي تتصادم فيه المواقف العسكرية مع حسابات المخاطر التجارية. يتخذ مالكو السفن قراراتهم على أساس كل سفينة على حدة، ليعبروا غالباً عبر نوافذ ضيقة من الأمان النسبي دون أي تنسيق مركزي .
في 12 يونيو 2026، نقلت وكالة "بلومبرغ" أن الولايات المتحدة وإيران "اقتربتا من اتفاق سلام مؤقت يهدف إلى إعادة فتح مضيق هرمز"، لكن الرسائل المتضاربة من الجانبين تسببت في حالة من عدم اليقين المستمر .
من المتوقع أن يتم توقيع الاتفاق، وفقاً للتقارير، في جنيف على هامش قمة مجموعة السبع. وتشمل الشروط المطروحة تمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً، وإعادة فتح المضيق، ووضع إطار للمفاوضات النووية، والتزامات أميركية برفع العقوبات النفطية وإنهاء الحصار البحري .
كان الرئيس ترامب قد ألمح في 23 مايو إلى أن الاتفاق "تم التفاوض عليه إلى حد كبير" ويتضمن بشكل محدد إعادة فتح المضيق . كما صرح ترامب لاحقاً أن المضيق سيُفتح "فور التوقيع على مذكرة التفاهم"
. من جانبها، نقلت وكالة "مهر" الإيرانية للأنباء عن مسودة مذكرة تلتزم إيران بموجبها بإعادة فتح المضيق في غضون 30 يوماً مقابل رفع العقوبات وإنهاء الحصار الأميركي
.
لكن الطريق إلى التوقيع لم يكن ممهداً على الإطلاق:
هذه التقلبات الدبلوماسية المتكررة تفسر سبب بقاء المحللين الجادين حذرين حتى مع تزايد التفاؤل في العناوين الرئيسية حول الاتفاق.
قدم لارس بارستاد، الرئيس التنفيذي لشركة "فرونتلاين"، الرؤية الصناعية الأكثر واقعية في مقابلة مع قناة "CNBC" في 11 يونيو. قال بارستاد إن حركة الشحن التجاري عبر مضيق هرمز من المتوقع أن ترتفع بسرعة إذا توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق أمني مستقر، لكنه حذر من أن حركة المرور لن تعود قريباً إلى مستويات ما قبل الحرب البالغة 130 إلى 140 رحلة عبور يومياً .
وكشف بارستاد أن خمساً من ناقلات "فرونتلاين" لا تزال عالقة في الخليج العربي . ورغم ذلك، سجلت الشركة أقوى أرباحها الربعية منذ عقدين من الزمان، حيث بلغت أسعار عقود الإيجار الزمني للربع الثاني 181,700 دولار يومياً لناقلات النفط العملاقة (VLCCs) و131,300 دولار لناقلات "سويزماكس"، وهي قفزة مدفوعة مباشرة باضطراب الأزمة
.
يُقدر أن نحو 10% من ناقلات النفط العملاقة في العالم عالقة حالياً في الخليج في انتظار فرصة العبور . و"فرونتلاين" ليست وحدها في هذا الموقف، إذ يُقدر المحللون في القطاع أن 55 ناقلة كبيرة ترسو فارغة بالقرب من الخليج العربي، وهو ما يمثل طاقة استيعابية تبلغ 110 ملايين برميل، جميعها تنتظر إعادة فتح المضيق
.
عندما تأتي لحظة إعادة الفتح، سيكون اندفاع الإنتاج كبيراً، لكن أسعار استئجار الناقلات، التي لا تزال مرتفعة فوق مستويات ما قبل الأزمة، لن تعود إلى طبيعتها بين ليلة وضحاها. ويرى العاملون في القطاع أن فرصة عودة أسعار الشحن إلى مستويات ما قبل الحرب ضئيلة في أي وقت قريب، حتى لو تحقق تقدم دبلوماسي .
صرح وزير الطاقة الأميركي كريس رايت للصحفيين في 9 يونيو أن حركة الملاحة البحرية في المضيق "تتزايد بشكل كبير" و"ستواصل الارتفاع" . وأدى هذا التصريح فوراً إلى هبوط أسعار النفط بنسبة 4% تقريباً، حيث استقر الخام الأميركي عند 88.20 دولاراً للبرميل، وتراجع خام برنت بنسبة 2.97% إلى 91.45 دولاراً
.
لكن بيانات حركة المرور الفعلية لا تزال بعيدة كل البعد عما قد توحي به عبارة "تتزايد بشكل كبير"، إذ لا يزال المضيق يشهد سوى تدفق ضئيل من السفن مقارنة بتدفقات ما قبل الحرب .
في تقرير صدر في 4 يونيو، أشار محللو "جيه بي مورغان" إلى أن كمية النفط المتدفقة عبر هرمز قد تكون أكبر مما يُعلن عنه، مرجحين أن بعض التناقضات قد تعكس سفناً تبحر وأجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بها مطفأة، أو تستخدم طرقاً تتجنب التتبع . تعمل البحرية الأميركية بنشاط على التواصل مع المشغلين التجاريين لتسهيل عمليات الخروج، لكن المسؤولين يؤكدون عدم وجود نظام تنسيق مركزي أو مرافقة
.
قفز خام برنت فوق 126 دولاراً للبرميل في ذروة الأزمة ، لكنه تراجع بحدة مع التفاؤل بالتوصل لاتفاق، وتسارع هذا التراجع بعد تصريحات الوزير رايت في 9 يونيو. لكن الإشارة الأكثر دلالة جاءت من أسواق التنبؤات.
على منصة "كالشي" (Kalshi)، قفزت احتمالية تطبيع الأوضاع في المضيق "قبل الأول من أغسطس 2026" بمقدار 18 نقطة مئوية لتصل إلى 39% في جلسة 11 يونيو وحدها، وذلك بحجم تداول كثيف تجاوز 209,000 عقد . هذه القفزة سحبت الجدول الزمني المتوقع لإعادة الفتح الكامل من عام 2027 ليصبح النصف الثاني من عام 2026 بشكل شبه مؤكد
.
تقوم السوق بتسعير احتمال كبير، لكنه ليس مؤكداً، لحل قريب المدى. يشير رقم 39% على منصة "كالشي" إلى أن المتداولين يرون فرصة حقيقية لإعادة الفتح بحلول أغسطس، ولكنه لا يعكس إجماعاً على أنه وشيك الحدوث.
عندما يُعاد فتح المضيق، تمتد التداعيات إلى ما هو أبعد من أسعار النفط. تقدر شركة "فرونتلاين" أن الناقلات الـ 55 الفارغة قرب الخليج تمثل 110 ملايين برميل من طاقة التسليم الفورية . سيؤدي أي اتفاق دبلوماسي إلى اندفاع سريع في عمليات العبور، لكن محللي القطاع يحذرون من أن الاتفاق أثبت حتى الآن أنه بعيد المنال، وأن مخاطر انهيار جديد للمفاوضات لا تزال مرتفعة
.
الخلاصة: لا يزال مضيق هرمز مغلقاً فعلياً بعد 100 يوم من الأزمة، لكن بوادر الانفراج المبكرة لا يمكن إنكارها. يشير الرؤساء التنفيذيون لشركات الناقلات والمسؤولون الأميركيون وأسواق التنبؤات، جميعاً، إلى احتمالية تطبيع سريع لحركة الشحن وانخفاض في أسعار النفط إذا ما تم إبرام اتفاق أميركي-إيراني بشكل نهائي. لكن الخطر الرئيسي، وهو خطر كبير، يكمن في أن المفاوضات متقلبة، وخاضعة لضغوط داخلية متضاربة على كلا الجانبين، وقد تنهار مجدداً بالسرعة نفسها التي تقدمت بها.
Comments
0 comments