بلغة يفهمها الجميع، هذا يعني أنه إذا ما تم وصل هذه الخيوط الأنبوبية الدقيقة معاً، فإنها ستمتد لمسافة تعادل 730 مليون إلى مليار ضعف المسافة بين الأرض والشمس، وهو امتداد يمكن أن يغطي تقريباً 10% من عرض مجرة درب التبانة . هذه الشبكة الحية المتفرعة لا تشغل حيزاً فقط، بل تخزّن الكربون بنشاط. تقدّر الدراسة أن الكتلة الكلية للخيطان تحمل حوالي 300 ميغاطن من الكربون، وهو خزان يفوق بأربعة إلى ستة أضعاف إجمالي الانبعاثات الكربونية السنوية من قطاع النقل العالمي
.
تكشف الخرائط الجديدة أن أكثر الشبكات الفطرية كثافة لا تتبع أنماط التنوع الحيوي فوق سطح الأرض. فبينما تُعتبر الغابات الاستوائية وشبه الاستوائية مراكز رئيسية، حدد البحث السهول العشبية البرية والسافانا كخزانات حيوية بالغة الأهمية وبشكل غير متوقع . في مناطق مثل السهول العشبية المغمورة في إيفرجليدز بولاية فلوريدا، أو في سافانا السيرادو في البرازيل، تحمل الطبقة العليا من التربة حصة غير متناسبة من الكتلة الحيوية الفطرية العالمية
. هذه النظم البيئية العشبية تحتوي وحدها على ما يقرب من 40% من إجمالي الشبكة الفطرية الجذرية الشجيرية في العالم
.
هذا الكشف يسلط الضوء على نقطة عمياء خطيرة في إدارة الأراضي العالمية. الأراضي الزراعية الواسعة تقدم صورة صارخة للتدهور، حيث كثافة الشبكات الفطرية في المناطق المزروعة بشكل مكثف تقل بنسبة 50% تقريباً عن النظم البيئية البرية، وهو انخفاض يحركه الحرث والأسمدة الاصطناعية واستخدام المبيدات . ومما يضاعف هذه الخسارة، فإن السهول العشبية البرية - التي نعرف الآن أنها تأوي بعضاً من أكثر الشبكات الفطرية كثافة على وجه الأرض - يتم تحويلها إلى أراضٍ زراعية بمعدل أربعة أضعاف معدل إزالة الغابات، مما يشكل تهديداً حاداً لواحد من أكبر أحواض الكربون الأرضية
. تتركز أقل كثافة للشبكات الفطرية في الصحاري القاحلة والتندرا القطبية والأحزمة الزراعية المدارة بكثافة، لتكشف الخريطة عن حدود طبيعية وندوب من صنع الإنسان.
الأهمية البيئية للفطريات الجذرية الشجيرية لا يمكن فصلها عن وجود معظم الحياة النباتية على الأرض. هذه الفطريات تقيم علاقات تكافلية إجبارية مع جذور ما يقرب من 80% إلى 90% من جميع أنواع النباتات البرية . هذه الشراكة تأسيسية بكل ما تحمله الكلمة من معنى: الفطريات توصل الماء والفوسفور والنيتروجين الأساسي لمضيفيها من النباتات، وفي المقابل، تزود النباتات الفطريات بالكربون المثبت من الغلاف الجوي
.
هذا الاقتصاد الكربوني يمتد إلى ما هو أبعد من النباتات الفردية. من خلال ضخ الكربون إلى داخل التربة وربطه في أشكال مستقرة، تعمل شبكة الميكورايزا كمحرك ضخم لتنظيم المناخ . الوجود الفيزيائي للخيطان يربط التربة معاً حرفياً، مما يقلل من الانجراف، ويحسن احتباس الماء، ويخلق بنية مسامية تدعم أنظمة بيئية بأكملها
. مفهوم "الشبكة الخشبية الواسعة" (Wood Wide Web) متجذر في هذه البيولوجيا، حيث يمكن للشبكة أن تصل بين نباتات متعددة، مما يتيح نقل الموارد وإشارات التحذير الكيميائية فيما بينها
.
أكثر ما يثير القلق في نتائج هذا المشروع الخرائطي هو الغياب شبه التام للحماية للنظم البيئية التي تكون فيها هذه الفطريات في أوج تنوعها ووفرتها. أقل من 10% من البؤر الساخنة المتوقعة للتنوع الحيوي للفطريات الجذرية تقع ضمن أي شكل من أشكال المناطق المحمية قانونياً . هذا يعني أن ما يقرب من 90% من أغنى مراكز الحياة الفطرية تحت الأرض في العالم تقع كلياً خارج مناطق الحفظ القائمة، معرضة للتوسع الزراعي والتمدّد الحضري وتغير المناخ دون أي إطار حماية
.
هذه ليست مجرد فجوة؛ إنه فشل نظامي في الحفظ البري الذي ركز تاريخياً وبشكل شبه حصري على ما هو مرئي فوق سطح الأرض. تحويل السهول العشبية، التي تم تحديدها الآن ككنوز فطرية، بمعدل أربعة أضعاف الغابات يمثل واحداً من أكثر تحديات الحفظ إلحاحاً والأقل معالجة في عصرنا .
الخرائط التفاعلية عالية الدقة التي أنتجتها هذه الدراسة صُممت لتكون أدوات للعمل، وليس مجرد فضول أكاديمي . إنها تقدم حجة ملموسة لإعادة توجيه جذرية للسياسة البيئية:
Comments
0 comments