وفقاً لتحليل صور الأقمار الصناعية الذي أجرته "نيويورك تايمز" وتقارير إعلامية إيرانية، دُمر خزانان للمياه أو أصيبا بأضرار بالغة؛ تبلغ سعة الأول 2,000 متر مكعب والثاني 500 متر مكعب . وكانت النتيجة فورية وقاسية: انقطع إمداد مياه الشرب بشكل كامل عن قريتي "بيماني" و"كوشك" والمناطق المحيطة بهما
، في وقت تجاوزت فيه درجات الحرارة المحلية 38 درجة مئوية (100 فهرنهايت)
، مما فاقم من حجم الكارثة. لاحقاً، أعلن التلفزيون الإيراني الرسمي عن إعادة خدمة المياه إلى المناطق المتضررة بحلول 11 يونيو
.
قدم تحليل أجراه خبراء لشبكة "سي إن إن" لشظايا الذخائر التي عُثر عليها في الموقع دليلاً دامغاً، حيث تطابقت مع بقايا قنبلة من طراز GBU-39/B أمريكية الصنع، وهي ذخيرة موجهة بدقة عالية تُطلق من الجو، مما يؤكد استخدام أسلحة متطورة في الهجوم . في المقابل، لم تقر القيادة المركزية الأمريكية باستهداف خزانات المياه، واكتفت بالقول إنها نفذت ضربات "بذخائر دقيقة" ضد أنظمة اتصالات ورادارات إيرانية، رداً على إسقاط طائرة هليكوبتر أباتشي تابعة للجيش الأمريكي فوق مضيق هرمز في 9 يونيو
.
يُعد الاستهداف المتعمد لمنشأة لا غنى عنها لبقاء المدنيين على قيد الحياة انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي الإنساني. ويحدد البروتوكول الأول من اتفاقيات جنيف قائمة بالأعيان المحمية، من بينها "منشآت مياه الشرب وشبكات الإمداد بها" . هذا الإطار القانوني شكل أساساً لموجة الإدانات الواسعة التي تلت الغارات.
وصف إسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، الهجوم بأنه "جريمة حرب محسوبة" و"عمل من أعمال إرهاب الدولة" . كما وصف رئيس دائرة العدل في محافظة هرمزكان، مجتبى قهرماني، الهجوم بنفس الوصف، مؤكداً أن إيران ستلجأ إلى الإجراءات القانونية
.
لم تقتصر الاتهامات على المسؤولين الإيرانيين، بل عززها محللون وخبراء غربيون. فقد نقلت صحيفة "الغارديان" البريطانية عن خبراء عسكريين وقانونيين قولهم إن الغارات "يمكن تصنيفها على أنها جريمة حرب" . وصرح براين فينوكين، المحامي السابق في وزارة الخارجية الأمريكية، قائلاً: "إذا لم يكن الموقع هدفاً عسكرياً، فإن استهدافه هو جريمة حرب"
. وحتى "نيويورك تايمز"، في تحليلها الاستقصائي، أشارت بوضوح إلى أن استهداف مرفق لمياه الشرب عمداً "يمكن أن يشكل جرائم حرب"
.
لكن يبقى سؤال جوهري يشكل محور الجدل القانوني: هل كانت القوات الأمريكية تعلم أنها تضرب خزانات مياه مدنية؟ هذا القصد الجنائي هو ما سيكون حاسماً في أي ملاحقة قضائية مستقبلية، بحسب ما أشارت إليه صحيفة "آيريش تايمز" وغيرها من التحليلات .
لم تكن غارات خزانات المياه في سيريك حدثاً منعزلاً، بل مثلت الضربة الأكثر حدة لهدنة كانت هشة أصلاً بوساطة باكستانية منذ 8 أبريل 2026 . كان مسلسل التصعيد سريعاً ومتسارعاً:
وصفت الإذاعة الوطنية العامة الأمريكية (NPR) الهدنة بأنها "واهية" وتحت تهديد شديد بالانهيار ، بينما ذكرت وكالة "أسوشيتد برس" أن الهجمات المتصاعدة "تهدد بتقويض محاولات إنهاء النزاع الدائر"
. ورغم عودة القتال المفتوح، يبدو أن القنوات الدبلوماسية الخلفية عبر الوسطاء ظلت نشطة، وتتطرق إلى قضايا مثل الإفراج عن أرصدة إيرانية مجمدة
.
مضت الغارات على خزانات المياه إلى ما هو أبعد من كونها حادثة محلية. فموقعها الجغرافي، على مرمى حجر من مضيق هرمز - الشريان الحيوي الذي تمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية - ضخم من أهميتها الجيوسياسية وجعل منها فصلاً جديداً في حرب تهديدات متبادلة تستهدف البنى التحتية الحيوية .
في وقت سابق من النزاع، لوحت إيران بإغلاق المضيق أو أقدمت على ذلك فعلاً لفترة وجيزة، مما أربك شحنات الطاقة العالمية . وكانت التوترات حول البنية التحتية للمياه قد تصاعدت لأشهر. ففي مارس 2026، أصدر الرئيس ترامب مهلة 48 ساعة لطهران بفتح المضيق، مهدداً بـ"تدمير" محطات الطاقة الإيرانية
. كان الرد الإيراني سريعاً وحاداً، مهدداً بقصف محطات الطاقة ومرافق تحلية المياه وغيرها من البنى التحتية الحيوية في جميع أنحاء دول الخليج بما فيها الإمارات والسعودية
.
هكذا، تحول الهجوم على خزانات سيريك إلى النذير العملي بأن المياه لم تعد خطاً أحمر. وبعد الغارات، جددت طهران تحذيراتها من أنها قد تستهدف شرايين الطاقة والمياه لدول الجوار، واضعةً إمدادات المياه الهشة في المنطقة - التي تعتمد بشكل كبير على محطات التحلية - في دائرة الخطر . لقد تصلب هذا التبادل ليؤكد أن مضيق هرمز هو نقطة الاشتعال المركزية في الصراع، حيث بات كل عمل عسكري يحمل خطر إشعال حرب أوسع وأكثر تدميراً على الموارد الأساسية للحياة
.
Comments
0 comments