جوهر حجة بروفو يكمن في الوزن الاقتصادي لسلسلة التوريد. ففي السيارة الحديثة، الجزء الأكبر من القيمة -وبالتالي الأرباح- لا يتولد على خط التجميع النهائي، بل في الشبكة الواسعة من صانعي القطع الذين ينتجون كل شيء من خلايا البطاريات إلى رقائق أشباه الموصلات والإلكترونيات الداخلية. يشير بروفو إلى أرقام تؤكد أن مصنعي قطع السيارات يستأثرون بما يقارب 70% من القيمة المضافة للمركبة، وإن كانت بعض التقارير تذكر أنه استخدم أيضاً رقماً يصل إلى 95% في تصريحات مماثلة .
"أعتقد أن الطريق الصحيح لأوروبا هو حقاً عقد صفقة مع الصين تقوم على هذه الاستراتيجية،" قال بروفو للحضور في بروكسل، مدافعاً عن ترتيب أوروبي-صيني يعطي الأولوية لتوطين أعمق لسلاسل التوريد بدلاً من مجرد استقطاب مصانع تجميع نهائية صينية . هذا الموقف ليس بمعزل عن التوجه الفرنسي الرسمي، حيث سبق لوزير المالية رولان ليسكور أن حث نظراءه الأوروبيين على تبني موقف منسق بخصوص متطلبات المحتوى المحلي، مما يعكس قلق باريس المزمن من تهديد واردات السيارات الكهربائية الصينية للمصنعين الفرنسيين وقاعدة الموردين الواسعة في البلاد
.
ما يضفي طابعاً عاجلاً على دعوة بروفو هو البيانات الجديدة الصادرة عن رابطة موردي السيارات الأوروبية (CLEPA). وفقاً لأحدث تقييمات الرابطة، فإن استثمارات موردي السيارات في الاتحاد الأوروبي ظلت في حالة ركود تام بين عامي 2021 و2026، مع بقاء الإنفاق السنوي على المصانع والآلات والتكنولوجيا ثابتاً دون أي نمو يُذكر .
في المقابل، قفزت الاستثمارات الصينية في قطاع السيارات بنسبة هائلة بلغت 57% خلال نفس الفترة. تصف "كليبا" هذا التباعد بأنه "جفاف استثماري هيكلي" يخلق ساحة تنافس عالمية غير متكافئة ويهدد العمود الفقري الصناعي لأوروبا .
كما قدمت الرابطة مراجعة واقعية لتوقعاتها الإنتاجية، مشيرة إلى أن تقديرات إنتاج السيارات الكهربائية بالبطاريات (BEV) في أوروبا لعام 2032 قد تم تخفيضها من أكثر من 10.3 مليون مركبة إلى حوالي 8.2 مليون مركبة، مما يعكس ضعف الزخم في عملية التحول نحو المركبات الكهربائية في القارة .
ووفقاً لبيانات "أكسفورد إيكونوميكس" التي استشهدت بها "كليبا"، فإن فجوة الاستثمار ليست مجرد تقلب قصير المدى، بل تمثل انفصالاً هيكلياً في الطموحات بين المنطقتين . فالموردون الأوروبيون، الذين يعانون من ضعف الربحية وتراجع الطاقة الإنتاجية، يتخلفون عن الركب في نفس اللحظة التي يسرع فيها المصنعون الصينيون من اندفاعهم نحو الأسواق الأوروبية
.
المفوضية الأوروبية لا تقف مكتوفة الأيدي. هناك مسارات سياسية متعددة قيد التنفيذ، لكنها تتفاوت بشكل كبير في نهجها وطموحها.
التحول الأكثر فورية جاء في يناير 2026، عندما اتفقت الصين والاتحاد الأوروبي على وضع حد أدنى لسعر السيارات الكهربائية صينية الصنع المصدرة إلى أوروبا، متفاديتين بذلك تصعيداً كان يلوح في الأفق لرسوم عقابية. وبموجب الاتفاق، أصدر الاتحاد الأوروبي مبادئ توجيهية عامة حول "التعهدات السعرية" للمصدرين الصينيين، ويتوقع بعض المحللين أن تنمو صادرات السيارات الكهربائية الصينية إلى أوروبا بمعدل 20% سنوياً خلال العامين التاليين .
خلف الكواليس، لا يزال تحقيق الاتحاد الأوروبي لمكافحة الدعم غير المشروع لواردات السيارات الكهربائية الصينية مستمراً، لكن المفوضية تحرص على صياغة نهجها على أنه "إزالة للمخاطر، وليس فك ارتباط" . هذا التمييز بالغ الأهمية من الناحية السياسية: تريد بروكسل تقليل التبعية الاستراتيجية دون قطع العلاقات الاقتصادية بالكامل.
الأكثر طموحاً -والأكثر إثارة للجدل- هما مقترحان جديدان. الأول هو قانون المُسرّع الصناعي الأوروبي، الذي تم اقتراحه في مارس 2026، والذي سيفرض قيوداً جديدة على المستثمرين الأجانب في قطاعات استراتيجية مثل البطاريات، السيارات الكهربائية، تكنولوجيا الطاقة الشمسية، والمعادن الحيوية. سيتطلب القانون محتوى مصنعاً في الاتحاد الأوروبي في المشتريات العامة عبر عدة قطاعات، وسيفرض موافقة مسبقة على الاستثمارات الأجنبية التي تتجاوز 100 مليون يورو إذا كان البلد الأم للمستثمر يسيطر على أكثر من 40% من الطاقة الإنتاجية العالمية - وهو حد لا ينطبق حالياً إلا على الصين .
الثاني يتمثل في أداة جديدة لتنويع سلاسل التوريد تعهد بها مفوض التجارة الأوروبي ماروش شيفتشوفيتش في أوائل يونيو 2026. بموجب مسودة الاقتراح، قد يُطلب من الشركات الأوروبية الحصول على المكونات الحيوية من ثلاثة موردين مختلفين على الأقل، مع وضع سقف بنسبة 30-40% من أي مورد واحد، وتقييد صريح بعدم جواز أن يكون الموردون المتعددون من نفس البلد. والهدف هو تقليل الاعتماد الأحادي على الصين في المواد والمكونات الحيوية .
جاء رد الصين سريعاً وحاداً. ففي 11 يونيو 2026، نشرت وكالة الأنباء الرسمية "شينخوا" تعليقاً مفصلاً يحذر من أن نهج الاتحاد الأوروبي في "إزالة المخاطر" يهدد بتقويض قدرة أوروبا التنافسية ونموها الاقتصادي طويل الأجل. ووصف التعليق قانون المُسرّع الصناعي المقترح بأنه تمييزي، بحجة أنه "سيشوه تكافؤ الفرص في سوق الاتحاد الأوروبي" وينتهك مبادئ اقتصاد السوق الأساسية .
وجاء في نص التعليق: "أي تحركات جوهرية تهدف إلى 'إزالة المخاطر' من الصين ستترتب عليها تكاليف كبيرة على أوروبا وستضر بمصالح المستهلكين والشركات فيها"، مضيفاً تحذيراً واضحاً: إذا أصر الاتحاد الأوروبي على فرض قيود اقتصادية وتجارية، "فإن الصين ستضطر إلى اتخاذ إجراءات مضادة لحماية مصالحها المشروعة" .
لغة شينخوا، وإن كانت دبلوماسية الشكل، تشير إلى إحباط بكين المتزايد مما تعتبره جهداً أوروبياً منسقاً لاحتواء التوسع الصناعي الصيني تحت غطاء الأمن الاقتصادي. ووصف التعليق تصريحات مفوضين أوروبيين مؤخراً بأن العلاقة التجارية "غير مستدامة" بأنها تلقي بظلالها على العلاقات الثنائية في الوقت الذي تشتد فيه الحاجة إلى تعاون مستقر وسط حالة من عدم اليقين العالمي .
السياق الأوسع يضيف ثقلاً لتحذير شينخوا. في أوائل عام 2026، بلغ الفائض التجاري للصين مع الاتحاد الأوروبي رقماً قياسياً قدره 83 مليار دولار في الربع الأول وحده، مدفوعاً جزئياً بارتفاع صادرات السيارات الكهربائية . وفي الوقت نفسه، يمثل الاستثمار الصيني المباشر الجديد (الاستثمار الأخضر) -حيث تبني الشركات مصانع جديدة مباشرة- 78% من الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني في الاتحاد الأوروبي، ويتركز بشكل كبير في السيارات والبطاريات
.
تدخل دعوة بروفو في بروكسل في لحظة شديدة الدقة. يحاول الاتحاد الأوروبي أن يمسك العصا من المنتصف بين حماية قاعدته الصناعية للسيارات وتجنب حرب تجارية شاملة مع الصين. اتفاق الحد الأدنى للأسعار على السيارات الكهربائية اشترى بعض الوقت، لكن التحدي الهيكلي الأعمق - جفاف الاستثمار بين الموردين الأوروبيين وضغط التنافسية المتواصل من المصنعين الصينيين - لا يزال دون حل.
بالنسبة لصانعي السياسة الأوروبيين، السؤال الذي طرحه بروفو لم يعد بالإمكان تجاهله: إذا كان الاتحاد يريد الحفاظ على سلسلة توريد السيارات لديه، فهل يجب أن يفرض على صانعي السيارات الصينيين شراء قطع أوروبية، لا مجرد استئجار مساحة مصانع أوروبية؟ وإذا تحركت بروكسل فعلاً، كيف سترد بكين أبعد من التحذيرات الخطابية؟
الإجابات لن تشكل فقط مستقبل صناعة السيارات الأوروبية، بل المسار الأوسع للعلاقات الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي والصين لبقية العقد.
Comments
0 comments