في قلب هذه العاصفة، وقف فرانسوا بروفوست، الرئيس التنفيذي لمجموعة رينو، ليعلن عن سلسلة من التحركات الاستراتيجية التي تعكس حالة التأهب القصوى في الشركة.
في مقابلة مع رويترز، كشف بروفوست أن دفتر طلبات السيارات الكهربائية لرينو قد انتفخ بنسبة 50% في أسواق رئيسية مثل فرنسا وألمانيا منذ بدء الحرب في إيران . وأكد بصراحة: "أسعار الوقود المرتفعة أشعلت الاهتمام بالسيارات الكهربائية"، مضيفاً أن مستويات الطلب الحالية "تتجاوز قدرة الموردين"
.
ولمواجهة هذا الطلب المتزايد، أكدت رينو أنها بصدد إضافة مناوبات إنتاج إضافية في مصانعها الرئيسية للسيارات الكهربائية، وأبرزها مصنع "دواي" (Douai) في شمال فرنسا، وهو جزء من مجمع "رينو إلكتريسيتي" (Renault ElectriCity) . هذا المصنع الذي ينتج بالفعل 900 سيارة كهربائية يومياً، كان قد احتفل للتو بإنتاج السيارة رقم 100,000 من طراز رينو 5 إي-تيك (E-Tech) في 15 شهراً فقط، مما يدل على وتيرة الإنتاج المذهلة التي يتم تسريعها الآن
.
كما شكلت رينو فرقة عمل خاصة للتعامل مع هذا الوضع الاستثنائي، مؤكدة أنه بينما لا توجد مشاكل في توريد البطاريات، فإن التحدي الأكبر يكمن في تلبية الطلب المتسارع .
لم تكن طفرة الطلب مجرد حدث عام، بل تجسدت في نجاح باهر لطراز رينو 5 إي-تيك، السيارة الكهربائية ذات التصميم المستوحى من الماضي. في عام 2025، تربعت رينو 5 على عرش السيارات الكهربائية الأكثر مبيعاً في فرنسا، بتسجيلها 37,997 وحدة، وهو ما يقرب من ضعف مبيعات أقرب منافسيها، تيسلا موديل Y . هذا النجاح جعلها بطلة التحول الكهربائي الفرنسي والمحرك الرئيسي لنمو مبيعات رينو الكهربائية في أوروبا بنسبة 72% خلال عام 2025
.
برغم الطفرة الحالية، يدرك بروفوست أن هذا الزخم قد يهدأ بمجرد انتهاء النزاع واستقرار أسعار الوقود. لكنه يصر على أن التحول الهيكلي نحو السيارات الكهربائية سيستمر . ولضمان استدامة هذا التحول وجعله في متناول الجماهير، يدفع بروفوست بقوة نحو استخدام بطاريات "فوسفات الحديد والليثيوم" (LFP)، وهي تكنولوجيا بطاريات أقل تكلفة من البطاريات التقليدية. وهو يضغط على شركة "إنفيجن إيه إي إس سي" (Envision AESC) الصينية، التي تدير مصنعاً للبطاريات بقدرة 9 جيجاوات/ساعة بجوار مصنع دواي، لتوفير هذه البطاريات الأرخص ثمناً، مع خطط لتوسعة المصنع لتصل قدرته إلى 30 جيجاوات/ساعة
.
في تحرك يعكس مخاوف صناعة السيارات الأوروبية بأكملها، استغل بروفوست هذه الفترة للمطالبة علناً بأن يفرض الاتحاد الأوروبي على شركات صناعة السيارات الصينية شراء المزيد من قطع الغيار محلياً. وهو يدعم فكرة وضع لائحة تلزم بمتوسط محتوى محلي يبلغ حوالي 60% لكل مركبة تباع في أوروبا . وأشار بروفوست إلى أن تشجيع الصينيين على تجاوز مجرد تجميع السيارات في أوروبا، إلى إنشاء سلاسل توريد محلية حقيقية، هو أمر حيوي لحماية الوظائف والموردين الأوروبيين
.
هذه الدعوات تأتي في وقت يستعد فيه الاتحاد الأوروبي لإقرار "قانون المسرّع الصناعي" (Industrial Accelerator Act)، الذي تقترح مسودته أن تحتوي السيارات الكهربائية المؤهلة للدعم على 70% من قطع غيارها منتجة داخل الاتحاد الأوروبي (باستثناء البطاريات) . وقد سبق لرينو أن دعمت هذا التوجه، لكنها اعتبرت أن نسبة 75% التي اقترحتها فرنسا سابقاً "غير واقعية"، مفضلة نسبة 60% أكثر مرونة
.
لقد عملت الأزمة الإيرانية كمحفز عنيف وقوي، مسرّعةً اتجاهاً كان موجوداً بالفعل. بالنسبة للمستهلك الأوروبي، تحولت المعادلة من مجرد "حماية البيئة" إلى "حماية المحفظة" بشكل فوري وملموس. هذا الواقع الجديد دفع السيارات الكهربائية إلى مستويات طلب غير مسبوقة، واضعاً شركات مثل رينو أمام اختبار حقيقي لقدراتها الإنتاجية والاستراتيجية. بين إضافة المناوبات للوفاء بالطلبات، والضغط من أجل تكنولوجيا أرخص، والمطالبة بقواعد منافسة أكثر صرامة مع الصين، ترسم رينو ملامح المرحلة القادمة من صناعة السيارات في أوروبا.
Comments
0 comments