إذا كان انهيار يناير مجرد تصفية للمضاربات، فإن موجة البيع من مارس إلى أبريل هي شيء أكثر غرابة بكثير: أزمة جيوسياسية تعمل بنشاط ضد الذهب.
عندما شنت القوات الأمريكية والإسرائيلية غارات على منشآت الطاقة الإيرانية في مارس 2026، كان السيناريو المتوقع هو هروب جماعي نحو الأمان. بدلاً من ذلك، انهار الذهب بنسبة 25% تقريباً من ذروته في يناير عند 5,595 دولار إلى قاع حول 4,100 دولار . بحلول أواخر مارس، كان الذهب بصدد تسجيل أسوأ شهر له منذ عام 2008
. موقع The Middle East Insider وصف اللحظة بصراحة: "عندما بدأت الحرب، هرعت رؤوس الأموال العالمية إلى الملاذات الآمنة فعلاً - ولكن ليس إلى الذهب. ذهبت إلى سندات الخزانة الأمريكية وإلى الدولار"
.
الآلية الآن موثقة جيداً عبر مؤسسات مالية كبرى. النزاع الإيراني رفع أسعار النفط، مما غذى مخاوف التضخم، دفع عوائد سندات الخزانة للارتفاع، وقوّى الدولار الأمريكي . بنك DBS لاحظ أن ارتفاع أسعار الطاقة بسبب اضطرابات الشرق الأوسط "رفع توقعات التضخم، العوائد، والدولار الأمريكي، مما شكل ضغطاً على الذهب"
. وبنك BNP Paribas أوضح أن موجة صعود الذهب السابقة كانت مدفوعة بالابتعاد عن الدولار وتوقعات خفض الفائدة - وكلاهما انعكس الآن، مع عودة المستثمرين مسرعين إلى الدولار
.
وحتى مورغان ستانلي نشر تقريراً بعنوان صريح هو "مكانة الذهب كملاذ آمن تحت الضغط"، مشيراً إلى أن المعدن "تعثر في أعقاب النزاع الإيراني بعد أن حقق مكاسب سنوية ثابتة منذ 2021" . إيمي غاور، استراتيجية السلع في البنك، قالت: "حساسية الذهب للسياسة النقدية وأسعار الفائدة الحقيقية طغت على استجابته التقليدية لعدم اليقين الجيوسياسي"
.
المتداولون الآن يسعرون احتمالاً بنسبة 52% لرفع الفيدرالي للفائدة بحلول أواخر 2026، وهو انقلاب صارخ عن توقعات الخفض السابقة . ومع تصاعد النزاع، قفز مؤشر الدولار الأمريكي فوق 100 نقطة، مضخماً ضغوط البيع على المعادن المسعّرة بالدولار
. وكما قال بوب هابركورن، كبير استراتيجيي السوق في RJO Futures، لرويترز: "يبدو أن انخفاض أسعار الذهب ينبع من تحول نحو السيولة - أي تفضيل النقد. نحن نشهد دولاراً قوياً بالتزامن مع ارتفاع عوائد السندات"
.
عانت الفضة باستمرار من انخفاضات بنسب مئوية أكبر من الذهب طوال 2026، مما يعكس دورها المزدوج كمعدن نقدي وصناعي في آن واحد. موجة البيع في 2 فبراير أرسلت الفضة للهبوط بنسبة 14.2% . وبحلول منتصف فبراير، انهارت الفضة إلى ما دون 73 دولاراً خلال جلسات التداول الآسيوية
. انهيار المعدن الأبيض تضخم بسبب حساسيته المفرطة لموجات العزوف عن المخاطرة وأزمات السيولة، حيث يلجأ المستثمرون إلى بيع الأصول المرتبطة بالصناعة لتغطية نداءات الهامش في أماكن أخرى.
أضاف الانهيار المفاجئ في 12 فبراير طبقة أخرى من الغموض. موقع Kitco أفاد بأنه "لم يظهر سبب واضح" لهذه التحركات، متكهناً بأن بنكاً استثمارياً كبيراً أو صندوق تحوط قد يكون قرر تفريغ مراكز شراء كبيرة . وذكرت فوربس عن الحلقة نفسها نقلاً عن فيكتوريا كوزاك من Sucden Financial أن الانخفاض بدا "مدفوعاً بتدفقات السوق أكثر منه بالعوامل الأساسية"
.
التركيز الفوري ينصب على بيانات التضخم الأمريكية. تراجع يوم الثلاثاء كان مرتبطاً بشكل صريح بالتمركز قبل صدور أرقام مؤشر أسعار المستهلك التي قد تصنع أو تكسر رواية رفع الفائدة . إذا جاءت بيانات التضخم أعلى من المتوقع، سيزداد الضغط على الذهب والفضة مع تسعير المتداولين لتشديد نقدي أكثر قوة من الفيدرالي.
بعيداً عن البيانات، يبقى مسار النزاع الإيراني هو العامل الغامض والمجهول. أي تصعيد يؤدي إلى مزيد من تعطيل إمدادات النفط سيعزز حلقة التغذية الراجعة المعكوسة - ارتفاع النفط، ارتفاع العوائد، قوة الدولار، وانخفاض الذهب. محللون في TradingKey لاحظوا أن منطق تسعير الذهب شهد "تحولاً جوهرياً" من الطلب كملاذ آمن إلى التركيز على السيولة وأسعار الفائدة الحقيقية .
ولخصت Morningstar المعضلة بقولها: "تضخم الطاقة المدفوع بارتفاع النفط يعزز الدولار الأمريكي وأسعار الفائدة، وهما رياح مالية معاكسة للذهب" . بالنسبة للمستثمرين الذين اعتادوا على أداء الذهب القوي خلال الأزمات، كان عام 2026 درساً قاسياً في انهيار العلاقات التقليدية - وقد لا يكون الدرس قد انتهى بعد.
Comments
0 comments