على عكس أزمة الغاز الروسي في 2022، فإن إمدادات الغاز الأوروبية ليست في خطر مادي مباشر، لأن إيران ليست مورداً رئيسياً للغاز إلى القارة. لكن الخطر هذه المرة ينبع من "المنافسة الشرسة" على الشحنات العالمية المتاحة، والتي تضاعف أسعار كل شيء. وقدّرت تقديرات مبكرة أن سعر خام برنت قد يتراوح بين 120 و164 دولاراً للبرميل حسب مدة النزاع . باختصار، دخلت أوروبا في "صدمة تضخم مستوردة" من أسواق النفط العالمية.
في بريطانيا، تحولت محطات الوقود إلى واجهة يومية للأزمة. قبل الصراع، كان سعر لتر البنزين نحو 1.32 جنيه إسترليني. لكنه سرعان ما صعد كالصاروخ ليصل إلى 159.4 بنساً لليتر في أوائل يونيو 2026، وهو أعلى مستوى منذ ديسمبر 2022 . وكانت الصدمة أقسى على سائقي الديزل، حيث بلغ السعر 184.9 بنساً لليتر في 26 مايو، مما يعني أن ملء خزان سيارة عائلية سعة 55 لتراً أصبح يكلف نحو 102 جنيهاً إسترلينياً
.
ولم تكن هذه مجرد أرقام عابرة؛ فقد حسبت مؤسسة (RAC) أن السائقين في المملكة المتحدة دفعوا 307 ملايين جنيه إسترليني إضافية للوقود في الشهر الأول فقط من الحرب . وفي تحليل لاحق، وجدت وحدة معلومات الطاقة والمناخ (ECIU) أن ارتفاع أسعار النفط أضاف 1.7 مليار جنيه إسترليني إلى تكلفة تشغيل أسطول سيارات البنزين والديزل في أول 100 يوم. ببساطة، شعر البريطانيون أنهم يدفعون "ضريبة حرب" في كل مرة يتوقفون فيها عند المضخة
.
إذا كانت هناك جهة مستفيدة من هذه الفوضى النفطية، فهي سوق السيارات الكهربائية. لقد تحول ارتفاع أسعار الوقود إلى أقوى حملة تسويقية للسيارات الكهربائية، ليس من منطلق بيئي هذه المرة، بل من منطلق اقتصادي بحت. وجد تحليل (ECIU) أن مالكي سيارات البنزين في بريطانيا دفعوا 175 جنيهاً إسترلينياً أكثر من نظرائهم في السيارات الكهربائية خلال أول 100 يوم، بينما بلغت فاتورة سائقي الديزل الإضافية 255 جنيهاً إسترلينياً .
على الطرف الآخر من القناة الإنجليزية، أكدت تحليلات (Transport & Environment) أن تكلفة السير لمسافة 100 كيلومتر بسيارة بنزين قفزت إلى 14.20 يورو، أي ما يعادل خمسة أضعاف التكلفة الإضافية لشحن سيارة كهربائية . هذه المعادلة الجديدة لم تمر مرور الكرام على المستهلكين. فقد قفزت مبيعات السيارات الكهربائية بالكامل في الأسواق الأوروبية الرئيسية بنسبة الثلث تقريباً في الربع الأول من 2026، كما ارتفعت مبيعات السيارات الكهربائية المستعملة بشكل حاد، مما يعكس بحث المستهلكين المحموم عن ملاذ من فواتير الوقود
. في بريطانيا، ارتفعت الاستفسارات عن السيارات الكهربائية بنسبة 23% منذ بدء الصراع، وهو تحول وصفه بنك أوف أمريكا بأنه "يجعل الكهربة أكثر جاذبية من الناحية الاقتصادية" بشكل كبير
.
في الأسابيع الأولى من الأزمة، سارعت العواصم الأوروبية إلى إجراءات منفردة، مما هدد بتفتيت السوق الموحدة. مررت إسبانيا خطة بقيمة 5 مليارات يورو تركز على التخفيضات الضريبية، شملت خفض ضريبة القيمة المضافة على الطاقة من 21% إلى 10%، مما جعل البنزين والديزل أرخص بنحو 30 سنتاً لليتر . ودعت بولندا بدورها إلى "مرونة" في النهج المنسق
.
لكن المفوضية الأوروبية سعت لاستعادة زمام المبادرة. ففي 22 أبريل 2026، كشفت النقاب عن حزمة "تسريع أوروبا" (AccelerateEU)، وهي خطة طموحة تضم 44 إجراءً محدداً. لم تكن هذه الإجراءات مجرد مسكنات قصيرة الأجل، بل كانت إعادة هيكلة لسوق الطاقة. تضمنت الخطة خفض الضرائب على الكهرباء لتكون دوماً أقل من ضرائب الوقود الأحفوري، وتنسيق ملء مخزونات الغاز في الصيف، وتحسين توزيع وقود الطائرات، وتسريع نشر الطاقة النظيفة .
في الوقت ذاته، تحرك وزراء الطاقة في الاتحاد الأوروبي لعقد محادثات طارئة في 31 مارس، وتعهدت مجموعة السبع بـ"اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة" لحماية أسواق الطاقة . كما حثت المفوضية الدول الأعضاء على خفض أهداف ملء مخزونات الغاز الطبيعي إلى 80% بدلاً من 90% لتخفيف ضغط الطلب والأسعار
.
كانت رسالة بروكسل واضحة وقاسية: آثار الأزمة "ستستمر لسنوات"، والحل الاستراتيجي الوحيد هو التحرر السريع من قبضة الوقود الأحفوري. في كلمات مسؤولي الطاقة الأوروبيين، هذه الأزمة "يجب أن تكون نداء استيقاظ ونقطة تحول، حيث تبتعد أوروبا عن الاعتماد على الوقود الأحفوري وتتجه نحو استقلالية الطاقة النظيفة" .
Comments
0 comments