لنقل العنف الهائل لهذه الظاهرة، لجأ الفريق البحثي إلى استعارة أرضية شائعة هي مقياس "سافير-سمبسون" (Saffir-Simpson) لتصنيف الأعاصير، ثم مدوها إلى أقصى حدودها المنطقية. وصف الباحثون هذه الرياح بأنها تعادل إعصاراً من الفئة 77 . في المقياس المألوف للعواصف الأرضية، تمثل كل فئة زيادة بنسبة 20% تقريباً في سرعة الرياح عن الفئة التي تسبقها. الإعصار المدمر من الفئة الخامسة (Category 5) تزيد سرعة رياحه عن 252 كيلومتراً في الساعة. هذه الرياح الكوازارية ليست مجرد فئات قليلة أقوى، بل إنها أسرع بأكثر من مليون مرة من أي إعصار تم تسجيله على كوكبنا على الإطلاق
.
"من حيث السرعة، يمكن تسمية رياح هذا الكوازار بإعصار من الفئة 79. كل فئة إعصار تكون أسرع بنحو 20% من الفئة التي تسبقها. وتسميتها بالفئة 79 تعطي فكرة عن مدى سرعتها الهائلة، ولكن بالطبع، هذه الرياح لا تشبه أي شيء على وجه الأرض." — لوكاس سيتون، الباحث الرئيسي
(ملاحظة: نقلت البيانات الصحفية المختلفة عن الرياح وصفها بأنها تعادل "إعصاراً من الفئة 77" أو "إعصاراً من الفئة 79"، وهو اختلاف طفيف ناتج عن التقريب المستخدم في الحساب، لكنهما يوضحان بوضوح نفس المقياس الفائق ذاته.)
يُعد هذا الاكتشاف شهادة على قوة المسوحات الفلكية الواسعة النطاق إلى جانب عمليات الرصد المتابعة المركزة.
تم الإعلان عن هذا الاكتشاف بشكل رسمي من قبل فريق تعاوني تقوده جامعة يورك (York University) في كندا. تم رفع الإشارة الأولية حول هذا الكوازار في نوفمبر 2023 من قبل طالبة الدراسات العليا ماريانا فيلتري. ثم تولى تحليل البيانات طالب الدراسات العليا لوكاس سيتون (Lucas Seaton)، الذي شغل دور الباحث الرئيسي للورقة العلمية، وذلك تحت إشراف الباحث الرئيسي البروفيسور باتريك هول (Professor Patrick Hall) . ضم الفريق باحثين من عدة مؤسسات، منهم البروفيسورة باولا رودريغيز هيدالغو (من جامعة واشنطن بوثيل)، وعالما الفلك دبليو نيل براندت ودونالد شنايدر من جامعة ولاية بنسلفانيا
. نُشرت النتائج في 4 يونيو 2026 في مجلة The Astrophysical Journal المرموقة
.
هذا الاكتشاف ليس مجرد رقم قياسي جديد، بل له تداعيات عميقة على فهمنا لنشأة وتطور المجرات. تُعرف هذه العملية بـ "التغذية الراجعة للكوازار" (Quasar Feedback)، وهي عنصر حاسم للغاية في عمليات المحاكاة الحاسوبية لتطور الكون .
الطاقة الهائلة التي تحملها هذه التدفقات الخارجة بإمكانها تسخين الغاز المحيط وإخراجه فعلياً من المجرة المضيفة. وبما أن هذا الغاز هو الوقود الخام لولادة النجوم، فإن مثل هذه الريح بإمكانها أن توقف تشكل النجوم على مستوى مجرة بأكملها. لعقود من الزمن، اعتمدت نماذج المحاكاة على آلية التغذية الراجعة هذه لتفسير سبب عدم نمو المجرات لأحجام أكبر مما نرصده بالفعل، ولكنها افتقرت إلى بيانات رصدية دقيقة لتقييد هذه النماذج. توفر أرصاد التدفقات الخارجة المتطرفة كهذه الموجودة في J2318 بيانات أساسية لمعايرة هذه النماذج الرقمية للكون وجعلها أكثر دقة .
على الرغم من قدرتها التفسيرية الكبيرة، تمثل رياح الكوازار J2318 لغزاً فيزيائياً كبيراً تواجه النماذج الحالية صعوبة في حله. تنشأ رياح الكوازارات بفعل الضغط الإشعاعي (Radiation Pressure) — حيث يقوم الضوء المنبعث من القرص التراكمي شديد الطاقة بدفع الغاز نحو الخارج .
تتمثل المعضلة في عملية التأين (Ionization). نفس الأشعة فوق البنفسجية الشديدة التي تُسرّع الغاز تقوم أيضاً وبعنف بنزع الإلكترونات من الذرات، مما يجعل هذه الذرات غير مرئية تماماً في الجزء نفسه من الطيف الضوئي المستخدم للكشف عنها. السؤال المحوري هنا هو: كيف تصل هذه الرياح إلى 30% من سرعة الضوء مع الاحتفاظ بما يكفي من أيونات الكربون والسيليكون لتظهر كخطوط امتصاص واضحة في الطيف فوق البنفسجي؟ هذا التوازن الدقيق بين التسارع العنيف والتأين المدمر لم يتمكن العلماء من تفسيره بالكامل بعد .
"كيفية دفع الغاز إلى السرعات التي نراها، وفي نفس الوقت الحفاظ على أيونات الكربون والسيليكون التي نكشفها سليمة... إنه لغز محير حقاً." — لوكاس سيتون
يضمن هذا التوتر الفيزيائي أن يظل الكوازار J2318 نقطة محورية للفيزيائيين الفلكيين الساعين إلى فك التشابك المعقد بين ألمع الأجسام في الكون والوحوش المظلمة الناحتة للمجرات الكامنة في قلبه.
Comments
0 comments