يتميز ASKAP بقدرات ثورية تجعله مثالياً لهذه المهمة:
عندما تنطلق موجات راديو مستقطبة خطياً من مجرات بعيدة وتشق طريقها عبر البلازما الممغنطة في الفضاء بين النجمي والمجرّي، تتعرض هذه الموجات لظاهرة دوران فاراداي: حيث يدور مستوى استقطابها بزاوية تتناسب طردياً مع قوة المجال المغناطيسي وكثافة الإلكترونات الحرارية على طول مسار الموجة. يُعرف هذا التأثير التراكمي باسم "مقياس دوران فاراداي" (RM) .
بقياس مقاييس الدوران (RMs) هذه لملايين المصادر الراديوية، تمكن العلماء من إعادة بناء خريطة ثلاثية الأبعاد لتوزيع المجالات المغناطيسية وقوتها على طول خط البصر. الفريق قام بإعادة معالجة بيانات ASKAP الخام ليستخرج صورة الاستقطاب الكاملة لما يقرب من 4 ملايين مجرة، وهو رقم يفوق قاعدة البيانات السابقة بـ 40 مرة . بلغ متوسط كثافة المصادر في الخريطة حوالي 7 مصادر لكل درجة مربعة، بمتوسط خطأ في قياس RM لا يتجاوز 2.2 راديان/متر مربع، مما يوفر "دقة" فعالة تبلغ 23 دقيقة قوسية لشبكة مقاييس الدوران
.
تكشف خريطة SPICE-RACS عن عالم خفي من الهياكل المغناطيسية لم يُرَ بهذا الحجم والتفصيل من قبل:
وفي دراسة مصاحبة، استخدم باحثون بيانات SPICE-RACS مع فهرس الكوازارات من مسح DESI لإنشاء أكبر عينة على الإطلاق من خطوط بصر الكوازارات مع مقاييس دوران مرتبطة بها، مما كشف عن وجود غاز ممغنط حول المجرات عند أعماق كونية سحيقة (انزياح أحمر z ~ 1). هذا الاكتشاف يربط المجالات المغناطيسية بدورة الغاز التي تنظم عملية تشكل النجوم .
لخصت البروفيسورة نايومي مكلور-غريفيث، كبيرة العلماء في مرصد SKAO، الوضع بقولها: "طوال العشرين عاماً الماضية، كان علماء الفلك يعملون بنفس مجموعة البيانات تقريباً"، والتي لم تكن حتى تغطي السماء الجنوبية .
مقارنة بهذا الإرث المتواضع، يمثل الإصدار الثاني من SPICE-RACS ثورة حقيقية بكل المقاييس:
خريطة SPICE-RACS هي نتاج أولي لتعاون علمي دولي يُعرف بـ "المسح الاستقطابي لمغناطيسية الكون (POSSUM)". يهدف هذا المشروع الطموح إلى إحداث ثورة في فهمنا للمغناطيسية الكونية من خلال ثلاثة أهداف رئيسية: (1) بناء شبكة شاملة من مقاييس الدوران تغطي حوالي 30,000 درجة مربعة، (2) دراسة المجالات المغناطيسية في درب التبانة بتفصيل غير مسبوق، و(3) استكشاف المجالات المغناطيسية خارج المجرة في المجرات والعناقيد والشبكة الكونية .
على المدى القريب: سيواصل تعاون POSSUM إنتاج خرائط أفضل خلال السنوات القليلة القادمة باستخدام أرصاد ASKAP الأعمق، مما سيضيف حساسية وتغطية ترددية أكبر .
على المدى الطويل: عند بدء التشغيل المبكر لتلسكوبات مصفوفة الكيلومتر المربع (SKA)، وهي مشروع دولي لبناء أكبر تلسكوبين راديويين في العالم، سيتمكن علماء الفلك من رسم خرائط للمجالات المغناطيسية للشبكة الكونية بتفاصيل أدق بكثير. المغناطيسية الكونية هي أحد المشاريع العلمية الرئيسية الخمسة لـ SKA، وحساسية التلسكوب عند ترددات 1–10 جيجاهرتز ستسمح بتتبع المجالات المغناطيسية في أقراص المجرات والمناطق المركزية ورواسب العناقيد المجرية بدقة غير مسبوقة . والجدير بالذكر أن ASKAP نفسه هو سلف مباشر لـ SKA، كما أن موقعه في غرب أستراليا هو نفسه موقع تلسكوب SKA-Low (الجزء منخفض التردد من SKA) الذي يُبنى حالياً
.
هذا العمل لا يقتصر على كونه إنجازاً تقنياً، بل يحول مشكلة أساسية غير محلولة في الفيزياء الفلكية - وهي أصل ودور المجالات المغناطيسية عبر التاريخ الكوني - من سؤال بدا مستعصياً على الحل إلى حقيقة قابلة للرصد التجريبي. تؤثر المجالات المغناطيسية على كيفية نمو المجرات، وحركة المادة عبر الفضاء، وتطور الكون على مدى مليارات السنين. البيانات الجديدة ستسمح للعلماء بالإجابة على أسئلة طال انتظارها، مثل: "متى ظهرت المجالات المغناطيسية لأول مرة في الكون؟" و "كيف تؤثر المجالات المغناطيسية في الشبكة الكونية على تشكل المجرات؟" - وهي أسئلة كانت البروفيسورة مكلور-غريفيث تعتقد سابقاً أنه من المستحيل الإجابة عليها. الأهم أن البيانات متاحة مجاناً عبر بوابة CSIRO، مما يتيح للمجتمع العلمي العالمي تكرار النتائج واكتشاف المزيد .
باختصار، إطلاق خريطة SPICE-RACS ليس نهاية المطاف، بل هو بداية حقبة رصدية جديدة للمغناطيسية الكونية، حيث ننتقل من الاعتماد على مجموعة بيانات واحدة غير مكتملة لعقدين من الزمن، إلى شبكة غنية وعالية الدقة من مقاييس الدوران تغطي السماء بأكملها، والتي ستدعم الفيزياء الفلكية لعقود قادمة .
Comments
0 comments