تريد الجهات التنظيمية والمستثمرون المحليون معياراً ذا مصداقية ومختبراً في السوق قبل تسعير أي طرح في البر الرئيسي. وهنا تبرز هونغ كونغ كمنصة مثالية، فهي تقدم سجل أوامر مفتوحاً من مستثمرين دوليين متطورين، وسيولة عميقة تُحدد سعراً حقيقياً لما يعتقده السوق العالمي عن قيمة الشركة .
الأرقام الأولية كانت صادمة بما يكفي لتكون مرتكزاً سعرياً: القيمة السوقية لشركة "زي بو" لامست لفترة وجيزة 800 مليار دولار هونغ كونغي (حوالي 102 مليار دولار أمريكي)، بينما ارتفع سهم "ميني ماكس" بنسبة تقارب 400% في أشهره الأولى . حتى مع أخذ "جنون التجزئة" في الاعتبار – حيث جذب الطرح العام لـ "ميني ماكس" وحده 253.3 مليار دولار هونغ كونغي من طلبات التمويل بالهامش من 420 ألف مكتتب – فإن هذه الأرقام تعطي نقطة ارتكاز ملموسة للتسعير المستقبلي في بورصة "ستار ماركت"
.
طوابير الانتظار التنظيمية في البر الرئيسي طويلة، والتاريخ يقول إنه حتى وقت قريب، لم تحصل أي شركة متخصصة في "النماذج اللغوية الكبيرة" على موافقة للاكتتاب في أسواق الأسهم المحلية . في المقابل، فإن عملية الاكتتاب في هونغ كونغ أسرع وأكثر قابلية للتنبؤ، وهي مصممة خصيصاً لشركات التكنولوجيا التي لم تحقق أرباحاً بعد، من خلال إصلاحات مثل الفصل 18C من قواعد الإدراج
. هذه السرعة تشكل فارقاً جوهرياً عندما تحتاج شركات الذكاء الاصطناعي كثيفة رأس المال إلى جمع الأموال بينما لا تزال الدورة التكنولوجية في أوجها.
الاكتتاب في هونغ كونغ أولاً هو أيضاً لعبة تمويل ذكية. فالتقييم الدولي المُثبت يمنح الشركة قوة تفاوضية للحصول على سعر أعلى في البر الرئيسي، ويمنح المنظمين في شنغهاي طمأنينة بوجود إشارة سعرية شفافة . عندها يصبح السوقان بمثابة حوضين متكاملين للسيولة: هونغ كونغ لرأس المال العالمي، وشنغهاي لرأس المال الاستراتيجي المحلي الذي يمكنه دعم النمو طويل الأجل.
هذا التحول لم يحدث في فراغ، بل هو جزء من مخطط استراتيجي مدعوم بأعلى مستويات السياسة الصناعية في بكين.
الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين (2026-2030) جعلت من الذكاء الاصطناعي المنطق المنظم للتحول الصناعي بأكمله، حيث تم تضمينه في التصنيع والعلوم والحوكمة والحياة اليومية عبر خطة عمل أُطلق عليها اسم "AI+" . وفي إطار هذا المخطط، تم تكليف هونغ كونغ صراحةً بمهمة أن تصبح "محوراً دولياً لتبادل وتعاون الذكاء الاصطناعي"
. وقد جددت ميزانية 2026-2027 هذا التفويض، حيث سلط وزير المالية بول تشان الضوء على الذكاء الاصطناعي باعتباره محركاً اقتصادياً أساسياً
.
هذا ليس مجرد شعارات. فخطاب السياسة العامة لعام 2025 خصص 3 مليارات دولار هونغ كونغي لأبحاث الذكاء الاصطناعي والمواهب من خلال مبادرات مثل AIR@InnoHK ومعهد هونغ كونغ للبحث والتطوير في الذكاء الاصطناعي (AIRDI) الذي أنشئ حديثاً . هذا المبلغ ليس مجرد "فتات"، بل هو دفعة أولى حقيقية لبناء نظام بيئي محلي للبحث والتطوير يمكنه أن يدعم قطاعاً مدرجاً بالكامل.
في عام 2026، حطت أكثر من 85% من الاكتتابات الأولية الصينية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي – أي 23 من أصل 27 شركة – في هونغ كونغ . وبحلول الربع الأول من نفس العام، كانت هونغ كونغ الوجهة الأولى عالمياً في جمع الأموال عبر الاكتتابات، مع ثلاثة اكتتابات ضخمة بين أكبر خمسة اكتتابات عالمية
. هذه الموجة الصغيرة من شركات منصات الذكاء الاصطناعي ومصممي الرقائق وشركات التطبيقات أوجدت تجمعاً للسيولة خاصاً بهذا القطاع لم يكن موجوداً في بورصتي شنغهاي أو شنتشن
.
والأهم من ذلك، أن الإدراج المتوقع لشركتي "زي بو" و"ميني ماكس" في مؤشر هانغ سنغ للتكنولوجيا في يونيو 2026 من المرجح أن يفرض تدفقات إلزامية لصناديق الاستثمار السلبي تتراوح بين 1.25 و 1.75 مليار دولار أمريكي على هذين السهمين وحدهما .
لكن، هل كل ما يلمع ذهباً؟ غريس شاو، الكاتبة في نشرتها المتخصصة "AI Proem"، كتبت بصراحة خلال أسبوع الاكتتاب الأول: "لا داعي للتجميل، نموذج العمل ليس واضحاً بالكامل، والعمل نفسه ليس ناضجاً إلى هذه الدرجة" .
إنها ملاحظة في الصميم. فكل من "زي بو" و"ميني ماكس" لا تزالان تحرقان السيولة النقدية لتدريب نماذج ذكاء اصطناعي متطورة في سوق لم تثبت بعدُ مسارات تحقيق الدخل المستدام فيها. هذه التقييمات الأولية المرتفعة ترتكز بشكل كبير على توقع أن الدعم السياسي من بكين، إلى جانب الوصول المزدوج لرأس المال الدولي والمحلي، سيمنح هذه الشركات "مدرجاً" كافياً لإيجاد اقتصادات مستدامة. لكنه يبقى رهاناً.
كما أن أعين المنظمين الصينيين مفتوحة على مصراعيها. تحقيق لصحيفة "كايشين" في أبريل 2026 سلط الضوء على التدقيق المتزايد في هياكل الإدراج الخارجي لشركات الذكاء الاصطناعي، مما يثير احتمال أن تضيق نافذة الاكتتاب المزدوج إذا قررت السلطات تشديد الضوابط على البيانات ورأس المال عبر الحدود . في الوقت الحالي، لا تزال "رياح السياسة" مواتية وبقوة، لكنها رياح تشكلها حكومة أثبتت أنها تستطيع إعادة المعايرة بسرعة عندما تتغير الأولويات الاستراتيجية.
نموذج "H أولاً" لم يعد مقتصراً على "زي بو" و"ميني ماكس". شركة صناعة رقائق الذاكرة "بيرن" ومصممة وحدات معالجة الرسوميات "إيلوفاتار" سارتا على نفس الطريق. بيانات بورصة هونغ كونغ نفسها تظهر أن 12 شركة تعمل عبر سلسلة قيمة الذكاء الاصطناعي أدرجت أسهمها في شهري ديسمبر 2025 ويناير 2026 وحدهما . يتوقع المحللون أن تصل حصيلة جمع الأموال في هونغ كونغ لعام 2026 إلى 350 مليار دولار هونغ كونغي، على أن تشكل شركات الذكاء الاصطناعي والإدراج المزدوج "A+H" العمود الفقري لهذه الطفرة
.
الرسالة للمستثمرين العالميين واضحة ولا تحتمل التأويل: إذا كنت ترغب في التعرض المبكر لشركات الذكاء الاصطناعي التأسيسية في الصين – تلك الشركات التي تبني النماذج الكبيرة التي صنفتها بكين كأبطال وطنيين – فعليك أن تكون في هونغ كونغ. أسواق الأسهم من الفئة "A" في البر الرئيسي ستأتي لاحقاً كحدث سيولة ثانوي، لكن اكتشاف السعر الأساسي يحدث الآن في مؤشر هانغ سنغ، وليس في مؤشر شنغهاي المركب.
هذا لا يعني أن النظام القديم قد ولى إلى الأبد. ما يعنيه هو أنه بالنسبة لأهم تكنولوجيا استراتيجية في هذا العقد، تمت إعادة تموضع هونغ كونغ كبوابة رئيسية، وليس كمجرد فكرة لاحقة. وإعادة التموضع هذه لم توجهها قوى السوق وحدها، بل أجندة سياسية منسقة ترى في أسواق رأس المال امتداداً للاستراتيجية الصناعية.
Comments
0 comments