في قلب الإعلان، توجد دعوة واضحة لإحداث "قفزة نوعية" (Quantum Leap) في وضعية الردع والدفاع للحلف، وهو تعبير يعكس حجم التحول المطلوب. هذه القفزة تتركز بشكل خاص على:
الإعلان لم يعتبر دعم أوكرانيا مجرد مسألة تضامن، بل ضرورة وجودية للأمن الأوروبي الأطلسي. فقد نص على أن "أوكرانيا القوية وذات السيادة والمستقلة أمر حيوي للاستقرار الأوروبي الأطلسي" . وحدد رئيس الجمعية، بيريستريلو، الدعم المستدام لأوكرانيا كواحد من أربع أولويات واضحة للدورة، إلى جانب تعزيز الردع وتنفيذ الالتزامات المالية والتصدي للتهديدات الهجينة
.
الإعلان وما سبقه من تحضيرات عكس عودة إيطاليا إلى واجهة النقاش حول الإنفاق الدفاعي. فقد كان الوفد الإيطالي فاعلاً بشكل لافت، حيث قام مجلس النواب الإيطالي بنشر النص الكامل للإعلان والوثائق التحضيرية المرتبطة به . وقبل أيام من بدء الدورة، كان وزير الخارجية أنطونيو تاياني قد صرح بأن إيطاليا مستعدة لزيادة إنفاقها الدفاعي ليصل إلى هدف الناتو البالغ 5% من الناتج المحلي الإجمالي، لكنه ربط ذلك بضرورة حصول بلاده على مرونة من الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بقواعد الميزانية المرتبطة بالطاقة
. هذا الموقف يعكس التوازن الصعب الذي تسعى إليه دول كبرى مثل إيطاليا بين الالتزامات الأمنية المتزايدة والواقع الاقتصادي.
الدورة الربيعية في فيلنيوس لم تكن غاية في حد ذاتها، بل محطة تحضيرية لقمة الناتو المرتقبة في أنقرة. الإعلان حمل رسائل واضحة لقادة الحلف المجتمعين قريبًا:
في خطوة تعكس تطور مفهوم التهديد، رحب الإعلان بتعزيز ردود الحلف على العمليات الهجينة، بما في ذلك إطلاق عمليتي "بالتيك سنتري" (Baltic Sentry) و"قوة المهام X" (NATO Task Force X) التابعتين للناتو. هاتان العمليتان تهدفان إلى حماية البنية التحتية الحيوية في بحر البلطيق والتصدي لـ"أسطول الظل" الروسي، وهي سفن يشتبه في استخدامها للتجسس أو التخريب أو الالتفاف على العقوبات .
الإعلان أقر بأهمية الإعلان المشترك للتعاون بين الناتو والاتحاد الأوروبي كإطار للتوفيق بين الصمود العسكري والمدني . لكنه كان حريصًا على التأكيد على مبدأ أساسي: الجهود الدفاعية الأوروبية يجب أن تعزز الناتو، لا أن تكرره. وشدد الإعلان على أن الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا لا يزال ذا أهمية حاسمة، في إشارة واضحة إلى أن تعزيز الركيزة الأوروبية داخل الحلف لا يعني الاستغناء عن الركيزة عبر الأطلسية
.
لم تكن دورة فيلنيوس مجرد اجتماع روتيني لبرلمانيين، بل كانت انعكاسًا لمرحلة تحول عميق في بنية الأمن الأوروبي، حيث تتحول التحذيرات من التهديدات إلى خارطة طريق طموحة تتطلب من الحلفاء قرارات مالية وسياسية صعبة، ستكون قمة أنقرة هي المحك الحقيقي لها.
Comments
0 comments