يعود سبب التفشي الحالي إلى فيروس "بونديبوغيو" (Bundibugyo virus - BDBV)، وهو أحد أنواع فيروسات الإيبولا النادرة، والذي تم تأكيده مخبرياً في 15 مايو 2026 من قبل المعهد الوطني للبحوث الطبية الحيوية (INRB) في كينشاسا .
يكمن الخطر الأكبر في أن هذه السلالة، على عكس سلالة "زائير" الأكثر شيوعاً والمسؤولة عن معظم التفشيات السابقة، ليس لها أي لقاح معتمد من منظمة الصحة العالمية ولا أي علاج نوعي مضاد للفيروسات . وقد حذّر وزير الصحة الكونغولي، روجيه كامبا، في وقت سابق قائلاً: "سلالة بونديبوغيو ليس لها لقاح ولا علاج محدد. هذه السلالة لديها معدل وفيات مرتفع جداً قد يصل إلى 50%"
.
هذا الغياب للقاح يجعل جهود الاحتواء تعتمد بشكل شبه كامل على إجراءات الصحة العامة التقليدية، مثل عزل المرضى، وتتبع المخالطين، والدفن الآمن، وهو ما يضع ضغطاً هائلاً على النظام الصحي في منطقة تعاني أصلاً من انعدام الأمن.
وفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن المراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (Africa CDC) ومنظمة الصحة العالمية حتى 29-30 مايو 2026، فإن الوضع الوبائي يتلخص فيما يلي :
ويُعتقد على نطاق واسع أن الأعداد الحقيقية أكبر بكثير، ففي مناطق النزاع يصعب الوصول إلى المرضى لجمع العينات، وبالتالي تبقى الغالبية العظمى من الحالات مصنفة كـ"مشتبهة" دون تأكيد مخبري. وحتى تاريخه، لم يُسجل سوى 125 حالة مؤكدة فقط من أصل ما يزيد عن 1000 حالة مبلّغ عنها في الكونغو .
وسط تزايد القلق الدولي، خرج وزير الصحة الكونغولي روجيه كامبا ليدحض ما وصفها بـ"الروايات المُثيرة للذعر". ففي مؤتمر صحفي عقده في بونيا، مركز التفشي، يوم 29 مايو، قال: "سمعت في الصحافة أن الوباء 'خرج عن السيطرة'... أود أن أضع هذه الصرخات المُثيرة للذعر في نصابها، هذا ليس صحيحاً" .
واعترف كامبا بأن التفشي لا يزال في مراحله الأولى وقد يستغرق شهوراً لاحتواءه، لكنه شدد على أن السلطات تبذل قصارى جهدها رغم الظروف البالغة التعقيد .
يُشكل انعدام الأمن في شرق الكونغو التحدي الأكبر أمام احتواء التفشي. فقد وصل المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، إلى العاصمة كينشاسا في 28 مايو 2026 في زيارة رسمية لدعم جهود الاستجابة ، ووصف التفشي فور وصوله بأنه "معقد للغاية"
.
وفي خطوة استثنائية، وجه تيدروس نداءً مباشراً للجماعات المسلحة في شرق الكونغو لإعلان وقف إطلاق نار لأسباب إنسانية، بهدف السماح للعاملين الصحيين بالوصول إلى المناطق المتضررة . وحذر مسؤولو المنظمة من أن "تتبع المخالطين يفشل" لأن انعدام الأمن والنزوح يمنعان المستجيبين من الوصول إلى معظم المخالطين المشتبهين
.
وتشمل التحديات الرئيسية الأخرى، وفقاً لتيدروس، "انعدام الثقة المجتمعية، ونقص الغذاء، والتضاريس الوعرة" ، ما يخلق عاصفة مثالية لاستمرار انتشار الفيروس.
في 17 مايو 2026، أعلن المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تفشي الإيبولا "حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقاً دولياً" (PHEIC)، وهي المرة الأولى في التاريخ التي يتخذ فيها مدير عام للمنظمة هذا القرار دون انعقاد لجنة الطوارئ، مستنداً إلى تفويضه بموجب المادة 12 من اللوائح الصحية الدولية .
وبرر تيدروس هذه الخطوة بتزايد الحالات، والانتشار عبر الحدود، والشكوك الكبيرة المحيطة بالحجم الحقيقي للوباء . وحث الدول المجاورة على "اتخاذ إجراءات فورية" لأنها تواجه "خطراً كبيراً بشكل خاص"
، داعياً المجتمع الدولي إلى تقديم المزيد من التمويل العاجل
.
وبينما يمثل تعافي أول مريض بارقة أمل، فإن الطريق أمام احتواء هذا التفشي الفريد لا يزال طويلاً ومحفوفاً بالمخاطر في منطقة تمزقها الصراعات وتفتقر إلى أبسط مقومات الاستجابة الصحية الفعالة.
Comments
0 comments