يقول الدكتور ديفيد كيز، أحد الباحثين في تلك الدراسة: "كنا نأمل في العثور على خلايا عصبية ممغنطة، لكننا وجدنا بدلاً من ذلك الآلاف من البلاعم المليئة بكرات صغيرة من الحديد" . هذا الاكتشاف أربك المجتمع العلمي وأعاد الباحثين إلى نقطة الصفر.
الآن، وبعد 14 عامًا، تعود فكرة البلاعم إلى الواجهة، ولكن هذه المرة من موقع جديد ومثير. ففي دراستهم الرائدة لعام 2026، قام الفريق الألماني بقيادة ليسوفسكي بإجراء مسح شامل لجميع أعضاء الحمام بحثًا عن أي إشارات مغناطيسية، والمفاجأة الكبرى أن الإشارة الأقوى جاءت من الكبد، وليس من أي مكان آخر .
السر يكمن في وظيفة الكبد الطبيعية. تقوم ملايين الخلايا البلعمية الموجودة في كبد الحمام بوظيفتها المناعية الروتينية: التهام خلايا الدم الحمراء القديمة وإعادة تدويرها . وخلال هذه العملية الطبيعية تمامًا، تتراكم ذرات الحديد داخل هذه البلاعم، لتتحول مع الوقت إلى مخازن نانوية متناهية الصغر لأكسيد الحديد
.
هنا يأتي دور الفيزياء الكمومية. فعندما تكون جسيمات أكسيد الحديد أصغر من 30 نانومترًا، فإنها تدخل في حالة تُعرف باسم "فائقة البارامغناطيسية (Superparamagnetism)" . في هذه الحالة، لا تمتلك الجسيمات مجالًا مغناطيسيًا دائمًا، لكنها تصبح قابلة للتمغنط بقوة وبشكل فوري عند تعرضها لأي مجال مغناطيسي خارجي، حتى ولو كان في غاية الضعف، مثل المجال المغناطيسي للأرض الذي تتراوح قوته بين 25 و65 ميكروتسلا
.
تخيل هذه الجسيمات النانوية كإبر بوصلات متناهية الصغر لا تُحصى. عندما يغير الحمام اتجاه طيرانه بالنسبة للمجال المغناطيسي للأرض، تدور هذه الجسيمات أو تتجمع مسببة شدًا أو دفعًا ميكانيكيًا فيزيائيًا داخل الخلية البلعمية . هذا التشوه الميكانيكي في الغشاء الخلوي والهيكل الخلوي للبلاعم هو المفتاح: فهو يُحول الإشارة المغناطيسية إلى إشارة ميكانيكية حيوية قابلة للاستشعار.
ولكن كيف تصل هذه الإشارة من الكبد إلى دماغ الحمام ليعرف وجهته؟
اكتشف العلماء أن هذه البلاعم المحملة بالحديد تتمركز بالقرب من شبكة كثيفة من الألياف العصبية داخل الكبد . هذه الألياف هي جزء من العصب الحائر (Vagus nerve)، وهو عصب رئيسي يربط الأعضاء الداخلية مباشرة بجذع الدماغ
.
النموذج الذي يقترحه الباحثون هو أن الحركة الميكانيكية للجسيمات النانوية تُنبه النهايات العصبية للعصب الحائر، فترسل بدورها إشارات كهربائية إلى منطقة محددة في جذع الدماغ تُعرف بـ"النوى الدهليزية الإنسية" وغيرها من المراكز المسؤولة عن التوجه المكاني والذاكرة الملاحية . وهذا يتوافق تمامًا مع دراسات سابقة استخدمت تقنيات متطورة مثل مسح نشاط الدماغ الكامل والمجهر الضوئي، والتي أكدت وجود خلايا عصبية في أدمغة الحمام تستجيب بشكل انتقائي لاتجاه وشدة المجال المغناطيسي
.
أجمل ما في هذه الدراسة هو الدليل السلوكي الذي لا يقبل الجدل. لإثبات أن هذه البلاعم ضرورية للملاحة المغناطيسية، قام العلماء بتجربة حاسمة: قاموا بإزالة أو تعطيل البلاعم الغنية بالحديد من أكباد مجموعة من الحمام الزاجل بشكل مؤقت . ثم أطلقوا سراح هذه الحمام في يوم غائم تمامًا، حيث لا يمكن رؤية الشمس.
النتيجة كانت دراماتيكية. على حد تعبير البروفيسور كريستيان كورتس من جامعة بون، أحد المشاركين في الدراسة: "الطيور ببساطة لم تستطع أن تجد طريقها" . لقد فقدت قدرتها تمامًا على العودة إلى موطنها، بينما عاد الحمام الطبيعي في المجموعة الضابطة إلى أعشاشه بكل سهولة.
هذه التجربة قدمت الدليل القاطع على أن البلاعم الكبدية هي البوصلة المغناطيسية الأساسية للحمام.
الطريف أن هذه البوصلة المغناطيسية ليست خيار الحمام الأول. فقد لاحظ العلماء أن إزالة البلاعم لم تؤثر على قدرة الحمام على الملاحة في الأيام المشمسة . هذا يكشف أن الطيور تمتلك نظامًا ملاحيًا مزدوجًا ومتطورًا:
إنه نظام مصمم بذكاء مذهل يضمن دقة ملاحية قصوى في جميع الظروف الجوية.
هذا الاكتشاف لا يحل فقط لغزًا حير العلماء لأكثر من 100 عام، بل يغير نظرتنا بشكل جذري لكيفية تفاعل الكائنات الحية مع القوى الخفية للكوكب. من كان ليتصور أن كبد طائر، وهو يقوم بوظيفته الروتينية في إعادة تدوير خلايا الدم، سيصنع بالصدفة واحدة من أعقد وأدق البوصلات الحية التي عرفها العلم؟
Comments
0 comments