هذه الصدمة لا تضرب فقط فاتورة الطاقة، بل تنخر في عصب الاقتصاد الأوروبي. صرّح فالديس دومبروفسكيس، مفوض الاقتصاد في الاتحاد الأوروبي، بأن الصراع قد يخفض نمو الاتحاد الأوروبي بمقدار 0.4 نقطة مئوية ويرفع التضخم بما يصل إلى نقطة مئوية كاملة في عام 2026، محذرًا من خطر "الركود التضخمي" حتى لو كانت الاضطرابات قصيرة الأجل . الأدلة على الأرض تدعم هذه المخاوف: في أبريل 2026، انزلق نشاط القطاع الخاص في منطقة اليورو إلى الانكماش لأول مرة منذ 18 شهرًا، مسجلًا أضعف أداء له منذ نوفمبر 2024، حيث ضربت تداعيات الحرب قطاع الخدمات وأججت التضخم
. يصف بنك UBS الوضع بأنه "صدمة تضخمية مؤقتة مدفوعة بالطاقة" من شأنها أن تبطئ النمو بشكل متواضع في السيناريو الأساسي، لكنه يحذر من أن أي اضطراب طويل الأمد قد يدفع التضخم لأعلى بكثير ويخنق النمو
. بعض التحليلات، مثل تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، ترى أن اقتصاد منطقة اليورو قد لا يتوسع بأكثر من 0.8% هذا العام، مما يبرز هشاشته أمام صدمات الطاقة
.
قبل الحرب، كان البنك المركزي الأوروبي في خضم دورة تيسير نقدي، حيث خفض أسعار الفائدة لدعم النمو. لكن موجة التضخم الناجمة عن حرب إيران قلبت هذا المسار رأسًا على عقب. في 19 مارس 2026، أبقى البنك على سعر الفائدة الرئيسي على الودائع دون تغيير عند 2.00%، لكنه رفع بشكل كبير توقعاته للتضخم لعام 2026 . منذ ذلك الحين، تحولت التوقعات بشكل دراماتيكي.
الآن، تتوقع الأسواق واستطلاعات المحللين أن يقوم البنك المركزي الأوروبي برفع أسعار الفائدة. أظهر استطلاع أجرته بلومبرج في مايو 2026 أن الاقتصاديين يتوقعون رفع الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية في كل من يونيو وسبتمبر . أسواق المبادلة (Swaps) تسعّر الآن احتمالًا بنسبة 70% تقريبًا لتحركين على الأقل هذا العام، بينما تُظهر منصات المراهنة مثل Polymarket إجماعًا بنسبة 89% بين المتداولين على رفع واحد على الأقل
. هذا التحول النقدي المتشدد يمثل رياحًا معاكسة قوية لتقييمات الأسهم، لأنه يرفع تكلفة الاقتراض للشركات ويجعل السندات استثمارًا منافسًا أكثر جاذبية مقارنة بالأسهم.
العامل الثالث الذي يثير القلق هو الطبيعة شديدة التركيز لارتفاع السوق. فالمكاسب ليست موزعة بالتساوي، بل محصورة في عدد قليل من الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. كشفت أبحاث من شركة TS Lombard أن سلالين اثنتين فقط من هذه الأسهم، تشملان عمالقة مثل ASML وInfineon وSTMicroelectronics، استحوذتا على أكثر من ثلثي الأداء الإيجابي للأسهم الأوروبية على مدى شهر ونصف . هذا النمط يشبه ما يحدث في الولايات المتحدة، حيث تتقدم مؤشرات مثل S&P 500 الموزونة بالقيمة السوقية بفارق كبير على نظيرتها الموزونة بالتساوي، وحيث تستحوذ أسهم "العظماء السبعة" على معظم نمو الأرباح
.
هذا التركيز الشديد يعني أن مؤشر STOXX 600 الأوسع أصبح رهينة لقطاع واحد. إذا انقلبت المعنويات تجاه الذكاء الاصطناعي، لأي سبب مثل خيبة أمل في الأرباح أو تحذير من فقاعة، فإن المؤشر يفتقر إلى دعم واسع النطاق من قطاعات أخرى ليحميه من تراجع حاد . وقد لاحظت النشرة الشهرية لمؤشر STOXX بالفعل بداية تحول في فبراير 2026، حيث خرجت السيولة من أسهم التكنولوجيا لصالح القطاعات التقليدية ذات التقييمات المنخفضة في أوروبا
.
باختصار، تُجمع هذه العوامل الثلاثة على رسم صورة حذرة لمستقبل الأسهم الأوروبية. صدمة الطاقة من حرب إيران تُضعف النمو وتُصعّد التضخم، مما يدفع البنك المركزي الأوروبي إلى رفع أسعار الفائدة بدلًا من خفضها، وهذا بدوره يُشكل ضغطًا على الأسهم. في نفس الوقت، الاعتماد المفرط على طفرة الذكاء الاصطناعي يجعل السوق بأكمله عرضة لتصحيح عنيف. نتيجة لذلك، يرى المحللون في استطلاع رويترز أن أي ارتفاعات جديدة في مؤشر STOXX 600 ستكون محدودة ومهددة بتراجع في منتصف العام، تاركة المستثمرين أمام عام من التقلبات وعدم اليقين أكثر مما كانوا يأملون في بدايته المتفائلة.