تصاعد التوتر عندما عُيّن حاكم ولاية لويزيانا جيف لاندري مبعوثاً خاصاً للولايات المتحدة إلى غرينلاند. تعيينه أثار جدلاً في الدنمارك وغرينلاند لأنه جاء في وقت أعادت فيه واشنطن التأكيد على الأهمية الاستراتيجية للجزيرة وإمكانية السعي للسيطرة عليها.
وردّ مسؤولون دنماركيون بانتقادات علنية، مطالبين الولايات المتحدة باحترام سلامة الأراضي الدنماركية، خاصة بعد تصريحات توحي بإمكانية حصول واشنطن على الجزيرة.
وزاد التوتر بعد خلاف علني بشأن المساعدات الإنسانية. فقد رفض رئيس وزراء غرينلاند عرضاً أمريكياً لإرسال سفينة مستشفى تابعة للبحرية الأمريكية إلى الجزيرة، وردّ قائلاً على وسائل التواصل الاجتماعي: "لا شكراً". وبعد ذلك انتقد لاندري هذا الرفض، ما أدى إلى تفاقم الخلاف الدبلوماسي.
نتيجة لذلك، استقبلت القيادات السياسية في نوك زيارة لاندري بفتور واضح، إذ اعتبرها بعض المسؤولين محاولة ضغط مرتبطة بطموحات واشنطن الاستراتيجية في الجزيرة أكثر من كونها زيارة دبلوماسية عادية.
في الوقت نفسه، ظهرت تقارير إعلامية عن مفاوضات غير معلنة بين الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند بشأن توسيع الوجود العسكري الأمريكي في الجزيرة.
ووفقاً لمسؤولين مطلعين على النقاشات، اقترحت واشنطن إنشاء ما يصل إلى ثلاث منشآت عسكرية جديدة في جنوب غرينلاند بهدف مراقبة النشاط الروسي والصيني في القطب الشمالي وشمال الأطلسي.
هذه المناقشات تأتي ضمن استراتيجية أوسع لتعزيز قدرات المراقبة والسيطرة على الممرات البحرية في المنطقة. ومع ذلك، لم تكشف الحكومات المعنية عن تفاصيل كثيرة، ورفضت تأكيد معظم المعلومات المتداولة علناً.
وتشير بعض التقارير أيضاً إلى أن المحادثات قد تشمل تعاوناً أمنياً طويل الأمد وربما تأثيراً أمريكياً أكبر في مشاريع البنية التحتية أو الاستثمارات في القطب الشمالي، لكن نطاق هذه المقترحات لا يزال غير واضح بالكامل.
غرينلاند إقليم يتمتع بالحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك، وقد رفضت كل من كوبنهاغن ونوك بشدة أي حديث عن نقل السيطرة على الجزيرة إلى الولايات المتحدة.
وأكد المسؤولون الدنماركيون مراراً أن مستقبل غرينلاند لا يمكن مناقشته دون موافقة شعبها، فيما شدد قادة الجزيرة على تمسكهم بالحكم الذاتي والاستقلال السياسي.
وفي الوقت نفسه، تسعى حكومة غرينلاند إلى شراكات دولية في مجالات الاستثمار والبنية التحتية والأمن، بما في ذلك التعاون مع الولايات المتحدة، بشرط احترام استقلالية القرار المحلي.
لم يقتصر الاهتمام بغرينلاند على واشنطن وحدها. فقد كثّف الاتحاد الأوروبي أيضاً جهوده الدبلوماسية لتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي مع الجزيرة ضمن استراتيجيته الأوسع للقطب الشمالي.
ويرجع هذا الاهتمام إلى عوامل عدة، منها احتمال وجود معادن نادرة قيّمة، وأهمية الموقع الجغرافي للجزيرة في طرق الشحن الجديدة، إضافة إلى دورها في المراقبة العسكرية بين أميركا الشمالية وأوروبا وروسيا.
الخلاف حول القنصلية الأمريكية في نوك وزيارة جيف لاندري ليس سوى جزء من منافسة دولية أوسع حول مستقبل القطب الشمالي.
فالولايات المتحدة تسعى إلى تعزيز قدراتها الأمنية والاستخباراتية في المنطقة. والدنمارك تريد الحفاظ على سيادتها على الإقليم. أما غرينلاند فتبحث عن استثمارات وشراكات أمنية دون التفريط في استقلالها السياسي.
في الوقت ذاته، يحاول الاتحاد الأوروبي ودول أخرى توسيع حضورها لضمان ألا تصبح الجزيرة تحت نفوذ قوة واحدة فقط.
ومع تسارع ذوبان الجليد وفتح طرق بحرية جديدة في القطب الشمالي، تبدو غرينلاند مرشحة لتصبح إحدى أهم الساحات الجيوسياسية في العالم خلال العقود المقبلة.
Comments
0 comments