| الطاقة جزء من كلفة إنتاج الغذاء والسلع ونقلها، لذلك يمكن لارتفاعها أن يغذي موجة أوسع من التضخم |
تتأثر أسعار الغذاء قبل أن تصل السلع إلى المتاجر، لأن الوقود والكهرباء ومدخلات الزراعة تدخل في كلفة الإنتاج والتوزيع. توقع البنك الدولي في أبريل/نيسان 2026 أن ترتفع أسعار السلع إجمالاً 16٪ خلال 2026، مدفوعة بين عوامل أخرى بصعود أسعار الطاقة والأسمدة، كما توقع أن تبلغ أسعار الطاقة أعلى مستوى لها منذ الغزو الروسي لأوكرانيا في 2022 . وقالت FAO إن الاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز ترفع بالفعل تكاليف الطاقة ومدخلات الزراعة في أنحاء العالم
.
الخطر الأبطأ يتعلق بالأسمدة. فقد حذّرت FAO من أن نقص الأسمدة وارتفاع أسعار الطاقة يهددان غلة المحاصيل، ما يعني أن أثر الأزمة قد يمتد إلى مواسم حصاد لاحقة لا إلى صدمة الأسعار الحالية فقط . كما أشارت إلى أن تقلب أسعار الغذاء قد يشتد في أفريقيا وآسيا ومناطق أخرى تعتمد على الاستيراد
.
إشارة الأسعار الحالية تعني ضغطاً لا ندرة شاملة. فقد نقلت يورونيوز أن مؤشر FAO لأسعار الغذاء ارتفع للشهر الثاني على التوالي وكان أعلى بنحو 1٪ من مستواه قبل عام، مع بقاء الإمدادات في الأسواق مستقرة عموماً .
السلع الاستهلاكية تتأثر عبر شحن الحاويات وتكاليف الاستيراد. بعد بدء أحدث حرب بين إسرائيل وحماس في أكتوبر/تشرين الأول 2023، أدت هجمات الحوثيين على سفن في البحر الأحمر إلى دفع كثير من شركات الشحن إلى تجنب البحر الأحمر وقناة السويس . الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح يضيف نحو 3,500 ميل بحري، أو 6,482 كيلومتراً، ويزيد بعض الرحلات 14 يوماً على الأقل، مع تأثر تجارة آسيا ـ أوروبا بشكل خاص
.
حجم هذا الممر مهم. يقول صندوق النقد الدولي إن طريق السويس يحمل عادة نحو 15٪ من حجم التجارة البحرية العالمية . وبحسب تحليل للبنك الدولي، كانت قناة السويس ومضيق باب المندب يحملان سابقاً نحو 30٪ من حركة الحاويات العالمية؛ وبحلول نهاية 2024 كان مرور السفن عبر هذين الطريقين قد انخفض بنحو ثلاثة أرباع، بينما زادت الملاحة حول رأس الرجاء الصالح بأكثر من 50٪
.
هذه التحولات لا تعني فقط تأخير الشحنات، بل تعني أيضاً ارتفاع كلفة إيصال البضائع إلى الأسواق. أشار مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS إلى أن تأمين البضائع يؤدي دوراً كبيراً في قرار المرور عبر البحر الأحمر، وأن أسعار التأمين للرحلات عبر البحر الأحمر وباب المندب ارتفعت بحدة . وقدّرت J.P. Morgan Research أن اضطرابات البحر الأحمر قد تضيف 0.7 نقطة مئوية إلى تضخم السلع الأساسي عالمياً و0.3 نقطة مئوية إلى التضخم الأساسي العام، مع انتقال ارتفاع تكاليف الشحن إلى أسعار السلع المستوردة بعد فترة تأخير
.
توافر السلع شيء، وكلفة سلسلة الإمداد شيء آخر. قد تكون الأسواق مزودة فعلياً بالغذاء، لكن السعر يرتفع لأن الطاقة والأسمدة والشحن والتأمين أصبحت أغلى. لذلك يمكن أن يرتفع مؤشر FAO لأسعار الغذاء حتى عندما توصف الإمدادات في الأسواق بأنها مستقرة عموماً .
كما أن أسعار التجزئة لا تتحرك دائماً في اليوم نفسه الذي ترتفع فيه أجور الشحن. تقول J.P. Morgan إن انتقال كلفة الشحن الأعلى إلى أسعار السلع المستوردة يعتمد على مدة الاضطراب وشدته، وغالباً ما يحدث بفارق زمني .
العبء غير متساوٍ. المناطق التي تعتمد على الاستيراد وتشتري الوقود والأسمدة والغذاء بالأسعار العالمية تكون أقل قدرة على عزل نفسها عن الصدمة. وخصّت FAO أفريقيا وآسيا ومناطق أخرى تعتمد على الاستيراد بوصفها أكثر عرضة لتقلبات أكبر في أسعار الغذاء . كما حذّر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، المعروف باسم أونكتاد UNCTAD، من أن اضطرابات الشحن ترفع التكاليف، وتعيد تشكيل أنماط التجارة، وتربك تدفقات الطاقة والغذاء، وتزيد مخاطر الأمن الغذائي في الاقتصادات الضعيفة
.
سلاسل الإمداد بين آسيا وأوروبا معرضة بشدة أيضاً، لأنها تعتمد بكثافة على طريق السويس وتضررت من تحويل مسارات السفن بعيداً عن البحر الأحمر . وبالنسبة للمستهلك، قد يظهر الأثر في صورة تأخر التسليم، وارتفاع تكاليف الاستيراد، وزيادات تدريجية في أسعار التجزئة، لا كقفزة فورية موحدة في سعر كل سلعة
.
هناك ثلاث إشارات ستوضح إن كان الضغط سيتراجع أم يتصاعد: استمرار تدفق الطاقة عبر مضيق هرمز بصورة موثوقة، واستقرار تكلفة الأسمدة وتوافرها، وقدرة السفن على العودة بأمان إلى مسارات البحر الأحمر وقناة السويس. تصف FAO مضيق هرمز بأنه نقطة اختناق حيوية للنفط والغاز والأسمدة، بينما أضافت تحويلات البحر الأحمر بالفعل وقتاً ومسافة إلى طرق تجارية رئيسية .
إذا بقيت أسعار الطاقة مرتفعة، فقد يمتد الأثر إلى التجارة العالمية. فقد حذّر اقتصاديون في منظمة التجارة العالمية من أن زيادة مستمرة في أسعار الطاقة مرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط قد تخفض نمو تجارة السلع في 2026 بمقدار 0.5 نقطة مئوية، من 1.9٪ إلى 1.4٪، وتضغط على إمدادات الغذاء وتجارة الخدمات .
الخلاصة أن الحرب تعمل كمضخّم عالمي للكلفة: ترفع سعر الطاقة، وتزيد تكلفة إنتاج الغذاء، وتجعل نقل البضائع حول العالم أغلى. لكن التأثير ليس واحداً في كل مكان؛ فالضغط الأشد يقع على الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد، والممرات البحرية المعرضة للخطر، والمستهلكين الذين تصل إليهم زيادة تكاليف المدخلات والشحن تدريجياً .
Comments
0 comments