لا يمكن تفسير هذا التحول الدراماتيكي كردة فعل لحظية. لقد كان تفكك العلاقة بين أنقرة وموسكو يتراكم منذ أن كشف الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عن حدود القوة العسكرية للكرملين. لسنوات، كانت كفة العلاقة تميل لصالح روسيا، وسعى بوتين لتعميق اعتماد تركيا الاستراتيجي على موسكو. ولكن مع تعثر الزخم العسكري الروسي في الميدان الأوكراني، تغيرت المعادلة. تركيا الآن لديها القدرة على الظهور كقوة بحرية رئيسية في البحر الأسود، ولم تعد العلاقة الثنائية مائلة بشكل حاسم لصالح موسكو .
كما لعب التقويم السياسي الداخلي لأردوغان دوراً محورياً. فبعد تأمين ولاية رئاسية جديدة، استغل الرئيس التركي هامش المناورة السياسية لإصلاح العلاقات مع الدول الغربية بعد سنوات من التوتر، مما أثار تساؤلات حول مستقبل علاقته الودية السابقة مع بوتين . يشير تحليل غونول تول إلى أن البراغماتية الجيوسياسية، وليس التحول الأيديولوجي، هي التي تقود إعادة التموضع هذه. لقد استغل أردوغان القيمة الاستراتيجية لبلاده لإعادة التواصل مع العواصم الغربية، حتى في الوقت الذي يواجه فيه حملات اعتقال واسعة وقمعاً للمعارضة واقتصاداً مريضاً في الداخل
.
من المهم ملاحظة أن القطيعة ليست كاملة بكل أبعادها بعد. فأنقرة مستمرة في التفاوض على صفقات الغاز الطبيعي مع موسكو، كمحاولة للحفاظ على تحوط براغماتي يضمن أمنها الطاقوي. لكن، كما تصف تول، أصبح هذا التعاون الآن الاستثناء بدلاً من أن يكون أساس التحالف. وهي تصف مسار أردوغان بأنه تحول حاسم مؤيد لأوكرانيا، وليس مجرد اهتزاز مؤقت .
بالنسبة لأوكرانيا، المكسب يتجاوز مجرد صورة تذكارية في قصر الشعب بدمشق. رعاية تركيا تمنح كييف وصولاً مباشراً إلى عواصم عربية رئيسية وإلى سوريا ما بعد الحرب، وهو ما لم تكن لتحققه بمفردها. من خلال وضع كييف كشريك أمني وكطرف فاعل في إعادة الإعمار، تعمل أنقرة بنشاط على كسر احتكار روسيا طويل الأمد للعلاقات العسكرية في بلاد الشام . حقيقة أن القمة في دمشق ضمت أيضاً وزير الدفاع ورئيس المخابرات السوريين تؤكد أن التعاون الأمني قيد البحث ليس رمزياً البتة
.
في النهاية، حكم تول لا لبس فيه: لقد حانت 'لحظة كبيرة'. اختار أردوغان أوكرانيا على حساب روسيا، وخسر بوتين حليفاً كان موثوقاً به يوماً، ليصبح الآن الميسر الأساسي لتوسع أوكرانيا في الشرق الأوسط. السؤال لم يعد 'هل تتغير الخريطة؟'، بل 'من سيرسم خريطة الشرق الأوسط الجديدة؟'، وأنقرة ترفع يدها عالياً لتكتب سطورها بقلم كييف .