يصف المحللون الذين يتتبعون هذا الاتجاه الانكماش بأنه أكثر حدة، حيث انخفض التدفق الإجمالي للجنود المتعاقدين بنسبة 20-25% في أواخر 2025 وأوائل 2026 . ويربط معهد دراسة الحرب (ISW) وخبير الاقتصاد الروسي يانيس كلوج هذا الانخفاض الحاد بتراكم معلومات كافية لدى المجندين المحتملين عن حجم الخسائر الميدانية المذهل خلال العام السابق .
الجهود المبذولة لوقف هذا التراجع عبر مدفوعات قياسية أنتجت نتائج هي، وفقًا للخبراء، "عكس ما كان مأمولًا" . عرض الكرملين مكافآت تجنيد تعادل أكثر من أربعة أضعاف متوسط الراتب السنوي الروسي، وحزم إعفاء من الديون تصل إلى 140,000 دولار . في يوليو 2025، وقع بوتين مرسومًا يضاعف المكافأة القياسية للتجنيد إلى 400,000 روبل—نحو خمسة أضعاف متوسط الأجر الشهري . لكن الاتجاه الهبوطي اشتد فقط .
نتيجة هذا الركود في التجنيد هي نقطة تحول استراتيجية. لأول مرة في الحرب، تؤكد التقارير الموثوقة أن روسيا تخسر جنودًا في ساحة المعركة أسرع مما يمكنها تجنيد جنود جدد. عبرت موسكو هذا الخط في أواخر 2025 . في يناير 2025، أصبح العجز واضحًا عندما تجاوزت الخسائر الميدانية الروسية تجنيد قوات جديدة بنحو 9,000 جندي، مسجلة أول شهر من نوعه منذ بدء الغزو الشامل .
تشير تقييمات الاستخبارات الأوكرانية إلى أنه لمدة أربعة أشهر متتالية، من ديسمبر 2025 إلى مارس 2026، ظل ميزان الوافدين والمغادرين "سلبيًا بشكل حاسم"، مع تجاوز الخسائر لعدد الجنود الذين تمكنت موسكو من تجنيدهم . لاحظ المسؤولون والمحللون الغربيون أن هذا العجز يشير إلى أن استراتيجية الاستنزاف المستدامة قد تؤدي إلى تآكل قدرة روسيا القتالية طويلة المدى . خلص معهد دراسة الحرب (ISW) إلى أن جهاز التوليد القوي للجيش الروسي يبدو غير قادر على تجنيد القوى البشرية اللازمة للحفاظ على المستوى الحالي للعمليات الهجومية .
إجمالي الخسائر الروسية يؤكد حجم التحدي. تشير التقديرات إلى أن القوات المسلحة الروسية فقدت ما يصل إلى 700,000 جندي بين قتيل وجريح ومفقود، مع ما لا يقل عن 400,000 قتيل أو مصاب بجروح بالغة تمنعهم من العودة إلى الخدمة . هذا يعني أن موسكو تحتاج إلى تدفق هائل ومستمر من الجنود الجدد—يقدر بنحو 30,000 إلى 35,000 شهريًا—لمجرد الحفاظ على قوتها في الخطوط الأمامية .
نظام التجنيد بالعقود، الذي اعتمد عليه بوتين لتجنب المخاطر السياسية للتعبئة العامة، يوصف الآن من قبل المحللين بأنه "انهار" بشكل أساسي . لخص نايجل غولد ديفيز، الزميل البارز في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، الديناميكية بصراحة: "هناك مؤشرات على أن هذا الحافز قد لا يعمل بشكل فعال، وأن روسيا بدأت تفقد جنودًا أكثر مما تستطيع تجنيده" .
استنزاف الجيش للقوى البشرية هو المحرك الرئيسي وراء أزمة عمالة مدنية غير مسبوقة. صرحت محافظة البنك المركزي إلفيرا نابيولينا بأن روسيا "لم تعش أبدًا في مثل هذا النقص في القوى العاملة في التاريخ الحديث لروسيا"، واصفة الوضع بأنه لا سابقة له .
الأرقام مذهلة. أنهت الشركات الروسية عام 2024 بعجز قياسي بلغ 2.6 مليون موظف، مع أكبر الفجوات في قطاعات التصنيع (391,000)، والتجارة (347,000)، والنقل (219,000) . سحبت الحرب الرجال من القوى العاملة في اتجاهات متعددة: مئات الآلاف من الضحايا، وملايين تمت تعبئتهم أو تجنيدهم، وموجة هائلة من الهجرة—غالبًا من الشباب المتعلمين—استنزفت المزيد من مخزون العمالة .
مؤشر سطحي يخفي الأزمة: تبلغ البطالة مستوى منخفضًا تاريخيًا يبلغ نحو 2% . هذه ليست علامة على اقتصاد صحي. إنها تعكس نقصًا يائسًا في العمال المتاحين يشل القدرة الصناعية. تعمل الصناعات المدنية عند حوالي 80% فقط من طاقتها بسبب نقص العمالة . أبلغ موقع سوبر جوب (SuperJob) الروسي للوظائف في 2024 أن 73% من شركات البلاد تعاني من نقص الموظفين .
الضرر الهيكلي طويل الأمد. دخلت روسيا الحرب وهي تواجه أزمة ديموغرافية كبيرة، وقد فاقمها النزاع بشكل كبير . حذر وزير العمل الروسي أنطون كوتياكوف من أن الاقتصاد يحتاج إلى دمج حوالي 2 مليون عامل جديد كل عام على مدى السنوات الخمس المقبلة لمجرد ملء الوظائف الجديدة واستبدال العمال المتقاعدين . تشير التوقعات إلى عجز في العمالة يتراوح بين 2 و 4 ملايين بحلول عام 2030 .
في مفارقة قاتمة، يعاني اقتصاد الحرب الذي خلق الأزمة الآن من نفس الجفاف في العمالة. لسنوات، توسعت شركات الدفاع بفضل موجة من العقود الحكومية وقدمت أجورًا عالية. لكن مجموعة العمال المتاحين جفت.
بحلول صيف 2025، انخفض الطلب على العمال الجدد في قطاع الدفاع الروسي إلى أدنى مستوياته منذ بدء الحرب، حيث نشرت الشركات 34,500 وظيفة شاغرة فقط—انخفاض حاد عن الذروات السابقة . وجد المحللون أن بعض مؤسسات الدفاع بدأت حتى في خفض الأجور وتوظيف عدد أقل من الموظفين مع انكماش سوق العمل الأوسع . يمثل هذا التحول نهاية طفرة العمالة في زمن الحرب لصناعة الدفاع ويشير إلى أنه حتى قطاع الأولوية القصوى للكرملين لا يمكنه التغلب على الواقع الديموغرافي .
الاقتصاد الأوسع محاصر في فخ. التضخم المرتفع العنيد وأسعار الفائدة المرتفعة جدًا من البنك المركزي، المصممة لمكافحة الأسعار المرتفعة، خلقت رياحًا معاكسة كبيرة للأعمال لكنها فشلت حتى الآن في تهدئة سوق العمل الجامح أو حل النقص الأساسي في العمالة . يصف المحللون في المجلس الأطلسي (Atlantic Council) النظام بأنه يعاني من توتر كلاسيكي بين "المدافع والزبدة"، حيث يتصادم الإنفاق العسكري والاجتماعي في مواجهة قوة عاملة محدودة ليس لديها مجال للنمو .