تقول الحكومة الألمانية إن واقعة مطار لايبزيغ/هاله لم تكن مجرد اختراق أمني عابر، بل محاولة «هجوم هجين» تتحمل روسيا مسؤوليته. ففي 4 أغسطس 2026، عُثر قرب طائرات شحن أوكرانية على طائرة مسيّرة مزودة بعبوة متفجرة، وفُككت العبوة بعدما لم تنفجر. وتؤكد برلين مسؤولية روسيا، في حين يبقى التحقيق الجنائي في تفاصيل الواقعة مستمراً.
1
2
لماذا تُعد واقعة لايبزيغ لافتة؟
يجمع الحادث بين موقع حساس، ووسيلة يمكن أن تكون قاتلة، وصلته بخدمات نقل مرتبطة بأوكرانيا. وقال مسؤولون ألمان إن تكوين المسيّرة ومكوناتها والمتفجرات وآلية التفجير يشبه أنماطاً معروفة من عمليات روسية هجينة ومن الحرب الروسية على أوكرانيا.
9
وتفيد تقارير عن التحقيق بأن السلطات اشتبهت أيضاً في أن مسيّرة ثانية ربما اصطدمت بطائرة شحن، كما عُثر على مسيّرة أخرى قرب المطار بعد ذلك بأيام. لكن هذه التفاصيل لا تزال محاطة بقدر من عدم اليقين؛ والخلاصة العلنية الأوضح هي إسناد برلين المسؤولية إلى روسيا، لا كشف كامل لكل المنفذين أو الأجهزة المستخدمة.
2
لذلك، لا تكمن دلالة الحادث في مسيّرة واحدة فحسب، بل في احتمال أن يؤدي عمل سري إلى خسائر بشرية أو إلى تعطيل النقل المدني وسلاسل الإمداد ذات الصلة بالدفاع داخل أراضي دول الناتو.
ما المقصود بـ«الحرب الهجينة»؟
تُستخدم عبارة الحرب أو التهديدات الهجينة لوصف أفعال ضغط وعدائية تقع بين المنافسة السياسية التقليدية والحرب العسكرية المعلنة. وتُنسب إلى روسيا، من قبل تقييمات أوروبية وأميركية، أنشطة تشمل التخريب والاغتيالات والتدخل السياسي والهجمات السيبرانية وانتهاكات المجال الجوي.
20
ويؤكد الاتحاد الأوروبي أن حملات زعزعة الاستقرار الروسية، وفق تقييمه، لا تقتصر على الفضاء الإلكتروني، بل تشمل تعطيل البنية التحتية الحيوية واعتداءات مادية والتلاعب بالمعلومات وأفعالاً سرية أو قسرية أخرى.
26 ولهذا تتصدر المطارات وشبكات النقل والطاقة والاتصالات والأنظمة الحكومية وسلاسل التوريد الدفاعية قائمة المواقع التي تخشى الحكومات تعرضها للخطر.
التحدي الأكبر هو إسناد المسؤولية: فقد تُصمم العملية لكي تبدو حادثاً معزولاً أو جريمة عادية أو خللاً عرضياً، مع بقاء الجهة التي يُشتبه في رعايتها لها بعيدة عن المنفذين المباشرين.
منفذون محليون يمكن الاستغناء عنهم
تصف تقارير أوروبية ودراسات أمنية تحولاً مزعوماً عن الاعتماد الحصري على ضباط استخبارات يُرسلون إلى الخارج. وبدلاً من ذلك، قد يُجنّد وسطاء ومنفذون محدودو المستوى عن بُعد، بما في ذلك عبر تيليغرام، وأن يتلقوا أجورهم بالعملات المشفرة.
27
58
هذا النموذج يقلل تعرض المنظمين للملاحقة ويعقّد عمل أجهزة إنفاذ القانون. كما أنه يخلق خطراً عملياً: فقد يُكلّف شخص جرى تجنيده بالمراقبة أو التسليم أو الحرق العمد من دون أن يعرف من يوجهه فعلياً، بينما يمكن أن تهدد المهمة مدنيين أو بنية تحتية حيوية.
58
ولا يعني ذلك أن كل واقعة مريبة هي بالضرورة عملية روسية؛ الأدق هو التعامل مع هذا الأسلوب بوصفه مصدر قلق موثقاً لدى الأجهزة الأمنية، مع تقييم أدلة كل قضية على حدة.
لماذا لا تُفعَّل المادة الخامسة تلقائياً؟
المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي هي التزام بالدفاع الجماعي، لكنها ليست آلية تلقائية تعمل مع كل فعل عدائي. فغموض الإسناد، واستخدام وكلاء يمكن إنكار صلتهم بالدولة، والعمليات الهادفة إلى الإرباك بدلاً من احتلال أراضٍ، كلها عوامل تجعل الوصول إلى رد موحد أكثر تعقيداً.
لكن ذلك لا يجعل الهجمات الهجينة بلا أثر. إذ يشير تقرير لخدمة أبحاث الكونغرس الأميركي إلى أن الأنشطة المنسوبة إلى روسيا تزايدت من حيث العدد والخطورة، وأن أجهزتها أظهرت قدرة على التكيف مع العقوبات والتدقيق الاستخباري الأوروبي وإجراءات الرد الأخرى.
20
الخطر الرئيسي هو سوء التقدير: إذا أدى هجوم إلى سقوط قتلى أو ضرر جسيم بالبنية التحتية، أو اعتبرته الدولة المتضررة «هجوماً مسلحاً»، فقد يكون الرد أشد بكثير. ومع ذلك، لا تثبت الأدلة العلنية المتاحة أن حرباً مباشرة بين روسيا والناتو وشيكة، ولا تتيح تقدير احتمال موثوق لحدوثها.
لماذا يُثار الحديث عن الاغتيالات و«نوفيتشوك»؟
العثور على عبوة متفجرة قرب طائرات يثير بطبيعته الخشية من أن تكون العمليات المقبلة أكثر فتكاً. كما يستحضر المسؤولون والمحللون تسميم سيرغي سكريبال في سالزبوري البريطانية عام 2018 بمادة «نوفيتشوك»؛ فقد حددت السلطات البريطانية وتحقيقات صحافية المشتبه فيهم باعتبارهم عناصر من الوحدة 29155 التابعة للاستخبارات العسكرية الروسية «GRU».
60
لكن هذه السابقة تفسر القلق ولا تشكل دليلاً على خطة معلنة لهجوم جديد بمادة نوفيتشوك. والاستنتاج الأكثر تحفظاً هو أن حادث لايبزيغ رفع كلفة التساهل مع شبكات التخريب السرية إذا تُركت بلا مواجهة.
كيف ردت ألمانيا وأوروبا؟
أعلنت برلين إجراءات دبلوماسية وداخلية بعد إسنادها المسؤولية في قضية لايبزيغ إلى روسيا: إغلاق القنصلية الروسية في بون، وإنهاء الترتيب الخاص بمركز «البيت الروسي» الثقافي في برلين، وتشديد ضوابط دخول المواطنين الروس، والسعي إلى إدراجات إضافية على قوائم عقوبات الاتحاد الأوروبي، إلى جانب استدعاء السفير الروسي.
1
33
43
وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، فُعّلت «صندوق أدوات مواجهة التهديدات الهجينة» في يونيو 2024 رداً على تصاعد الهجمات السيبرانية والتلاعب بالمعلومات وأعمال التخريب وغيرها من الأنشطة المعطِّلة المنسوبة إلى روسيا. وتشمل المقاربة التعاون الاستخباري، وحماية البنى التحتية الحيوية، وتعزيز الصمود، والتواصل الاستراتيجي، والعقوبات.
19
18
وفي 13 يوليو 2026، أعلن الاتحاد الأوروبي أكبر حزمة عقوبات سيبرانية له حتى ذلك التاريخ، مستهدفاً أفراداً وكيانات مرتبطة بأنشطة إلكترونية خبيثة تخدم أهدافاً استراتيجية روسية.
23 كما وسّع قدرته على استهداف الأصول والخدمات المالية، بما فيها خدمات الأصول المشفرة، التي قد تسهّل أنشطة زعزعة الاستقرار.
17
كذلك عزز الناتو مراقبة البنى التحتية المعرضة للخطر في منطقة البلطيق عبر مهمة «حارس البلطيق» (Baltic Sentry)، التي أُطلقت بعد حوادث تضرر كابلات بهدف ردع أعمال تخريب إضافية.
29 أما المعلومات العلنية المتاحة فتدعم وجود تضامن دبلوماسي وتعاون بين الحلفاء بعد لايبزيغ، لكنها لا تثبت رداً عسكرياً أميركياً جديداً خُصص لهذه الواقعة تحديداً.
ما الذي لا يزال غير محسوم؟
أعلنت الحكومة الألمانية إسناداً رسمياً للمسؤولية في قضية لايبزيغ، لكن جزءاً كبيراً من المعلومات الاستخبارية التي استندت إليها لم يُنشر. لذلك ينبغي التعامل بحذر مع الادعاءات المتعلقة بوحدات استخباراتية بعينها، أو بحملة منسقة ضد كل قطاع يُذكر، أو بتوقع هجمات محددة في المستقبل، ما لم تدعمها أدلة مستقلة.
الخلاصة أن الحكومات الأوروبية باتت ترى في القدرة على الصمود جزءاً من الردع: حماية البنى التحتية، والتحقيق السريع، وكشف الشبكات، وتنسيق المعلومات الاستخبارية، وفرض كلفة عندما يصل الإسناد إلى المستوى المطلوب. والهدف هو منع الضغط السري من أن يتحول إلى أمر اعتيادي — أو إلى كارثة.
18
19