يشير مصطلح الوراثة التخلقية عبر الأجيال (Transgenerational Epigenetic Inheritance) إلى انتقال أنماط مثيلة الحمض النووي (DNA methylation)، وتعديلات الهستونات (histone modifications)، وجزيئات الحمض النووي الريبوزي الصغيرة (small RNAs) عبر الأجيال — دون تغيير في تسلسل الحمض النووي نفسه . ولكي يُعتبر التغير التخلقي وراثياً عبر الأجيال حقاً، يجب أن يستمر بعد الجيل الذي تعرض مباشرة للمؤثر البيئي .
يقدّم مراجعة بحثية نُشرت عام 2026 مفهوم "الاقتران التخلقي-الجيني" (epigenetic–genetic coupling) كجسر ميكانيكي: التعديلات التخلقية المكتسبة جسدياً (somatically) يمكنها، مع مرور الوقت، أن تثبت وتوجه التطور الجيني، خاصة في الثدييات والفقاريات العليا . وهذا يوفر مساراً جزيئياً لما تخيله لامارك.
يقدم علم التخلق البيئي الآلية الجزيئية التي يمكن للبيئة من خلالها تغيير التنوع المظهري بشكل مباشر وتوليد تغييرات وراثية مستقلة عن تغيرات التسلسل الجيني . اقترح لامارك نفسه في عام 1802 أن البيئة يمكنها تغيير النمط الظاهري بشكل مباشر ووراثي — ويوفر علم التخلق الحديث الأدوات الجزيئية لشرح كيفية حدوث ذلك .
تكون الأدلة على الوراثة التخلقية عبر الأجيال أقوى ما تكون في النباتات واللافقاريات، بينما تكون أكثر إثارة للجدل ولكنها متراكمة في الثدييات:
تنتقل أنماط المثيلة الناتجة عن الإجهاد البيئي (الجفاف، الحرارة، وغيرها) بشكل موثوق عبر الأجيال. توفر النباتات أقدم وأقوى توثيق للوراثة التخلقية عبر الأجيال . مثال كلاسيكي هو تغير تماثل الزهرة من ثنائي الجانب إلى شعاعي في نبات Linaria vulgaris، المرتبط باختلافات وراثية في مثيلة الحمض النووي .
يؤدي التعرض لمواد عطرية مثل البنزالديهايد والسيترونيلول إلى سلوكيات مفضلة موروثة وزيادة في التكاثر في الأبناء، مما يوضح انتقالاً نظيفاً متعدد الأجيال لصفة سلوكية مكتسبة .
يؤدي النظام الغذائي للأم المدعوم بمتبرعات الميثيل (methyl donors) إلى تغيير لون فراء الأبناء عبر تغيرات في مثيلة الحمض النووي في موقع Agouti. هذا هو المثال الكلاسيكي في الثدييات لتغير وراثي مكتسب ناتج عن النظام الغذائي . ومع ذلك، ينتقل هذا التأثير عادةً على مدى جيلين فقط ويختفي عند الجيل الثالث، مما يعني أنه تأثير بين الأجيال (intergenerational) وليس عابراً للأجيال حقاً (transgenerational) .
يؤدي النظام الغذائي، والتعرض للمواد السامة، والإجهاد إلى إنتاج تغيرات تخلقية قابلة للقياس في الأبناء. توجد أدلة قوية على التأثيرات بين الأجيال، ولكن الوراثة العابرة للأجيال الحقيقية (التي تستمر بعد الجيل الثاني للأب أو الثالث للأم) لا تزال مثيرة للجدل في الثدييات . بعض الدراسات تجد أن العلامات التخلقية تُمحى بواسطة عمليات إعادة البرمجة في الخلايا الجرثومية للجيل التالي .
بدأ بالفعل تطبيق الإطار اللاماركي المُحيى في عدة مجالات:
تستخدم برامج التربية التخلقية (epigenetic breeding) أنماط مثيلة الحمض النووي الوراثية لإنتاج محاصيل ذات تحسن في تحمل الجفاف، ومقاومة الحرارة، ومقاومة الأمراض — بدون تعديل وراثي . وُصِف علم التخلق النباتي بأنه يمتلك “إمكانات تحويلية” لتربية محاصيل ذكية مناخياً، حيث تتحكم الأليلات التخلقية (epialleles) الوراثية بالصفات بشكل مستقل عن التركيب الجيني الأساسي . هذا مجال سريع النمو لتحقيق الأمن الغذائي في ظل تغير المناخ.
يتم استكشاف العلامات التخلقية لتعزيز مقاومة الأمراض، والأداء التناسلي، وتحمل الإجهاد في حيوانات المزرعة. تم توثيق الوراثة التخلقية عبر الأجيال في الماشية، حيث تؤثر العوامل البيئية على التعديلات التخلقية والصفات المظهرية عبر الأجيال .
يساعد فهم التأثيرات التخلقية العابرة للأجيال من النظام الغذائي للأم، والتعرض للسموم، والإجهاد في توجيه تدخلات الصحة العامة والتنبؤ بمخاطر الاضطرابات الأيضية والنمائية العصبية .
يحذر بعض علماء الأحياء البارزين من وصف علم التخلق الحديث بأنه “لاماركي جديد”. ويجادلون بأن لامارك نفسه لم يبتكر الفكرة، وأن هذا التصنيف قد يحجب الآليات الفعلية . تقول إحدى المراجعات صراحةً أن وصف الوراثة التخلقية بأنها عملية لاماركية هو “غير صحيح من وجهة نظر تاريخية وغير مفيد على المستوى العلمي” .
لا يزال الوراثة التخلقية العابرة للأجيال الحقيقية في الثدييات موضع جدل. العديد من الحالات المبلغ عنها هي حالات بين الأجيال (تؤثر فقط على الأبناء المعرضين مباشرة) وليست متعددة الأجيال. الأدلة على النقل المستقر لأكثر من ثلاثة أجيال في الثدييات لا تزال محدودة، وتجد بعض الدراسات أن التغيرات التخلقية تُصحح بواسطة إعادة البرمجة في الخلايا الجرثومية . على النقيض من ذلك، تظهر النباتات واللافقاريات حالات واضحة وموثقة جيدًا للنقل متعدد الأجيال .
أعاد علم التخلق الحديث إحياء مبدأ لاماركي — وهو أن الصفات المكتسبة يمكن توريثها — لكنه يضعه في إطار دارويني ثابت. والنتيجة هي صورة أكثر ثراءً وديناميكية للتطور، حيث يوفر الوراثة التخلقية نظام استجابة سريع للتحديات البيئية، بينما يظل الانتخاب الطبيعي بمثابة المُحرر البطيء والثابت للتنوع الجيني. يستمر الجدل حول مدى امتداد هذا التأثير في الثدييات، لكن التطبيقات العملية في تربية المحاصيل والطب تتقدم بالفعل.