هذا يهم تايوان مباشرة. فأزمة عبر المضيق قد تتحول إلى سباق مخزون وإيقاع عملياتي بقدر ما هي سباق تكنولوجيا: صواريخ، واعتراضات، وقاذفات متحركة، وحساسات، وأنظمة قيادة يجب أن تبقى عاملة تحت ضغط متكرر . في مثل هذا النوع من القتال، قد يكون الحاسم هو الطرف القادر على الرصد، واتخاذ القرار، والإطلاق، ثم إعادة التذخير مرة بعد مرة.
أفاد بوليتيكو بأن استخدام إيران لمسيّرات هجومية رخيصة أحادية الاتجاه أظهر كيف يمكن للهجمات الكثيفة أن تربك أو تستنزف دفاعات جوية متطورة . وأضاف التقرير أن مخزون الصين من الصواريخ يرجح أنه أكبر بكثير من مخزون إيران، ونقل عن الخبيرة بيكا واسر أن بكين قد تتعامل مع بعض صواريخها بالطريقة التي تعاملت بها طهران مع مسيّراتها: أدوات قابلة للاستهلاك لإحداث تشويش أو تشبع أو استنزاف
.
هذا لا يعني أن الصين ستنسخ إيران حرفياً. القوات الصينية أكثر تقدماً، وسيناريو تايوان له جغرافيته وسياساته ومخاطر التصعيد الخاصة به . الدرس القابل للنقل هو معادلة الكلفة: إذا أجبرت وسيلة رخيصة المدافع على إطلاق اعتراض نادر وباهظ، فقد يخسر المهاجم تلك الوسيلة، لكنه يضغط على مخزون الخصم مع الوقت
.
لذلك أصبحت «الكثافة» مشكلة مركزية في الدفاع الصاروخي. قد ينجح الدرع المتطور تكتيكياً، لكنه يصبح هشاً استراتيجياً إذا اضطر إلى الرد على موجات متكررة من المسيّرات، وصواريخ كروز، والصواريخ الباليستية، والأهداف الخادعة، باستخدام اعتراضات ممتازة لكنها محدودة العدد .
الرسالة الأوضح في التقارير ليست أن الأسلحة الأميركية لا تعمل. الرسالة أن الحملة الطويلة قد تستهلك الذخائر أسرع مما تستطيع الصناعة تعويضه.
ذكرت آسيا تايمز، نقلاً عن تقارير في وول ستريت جورنال، أن القوات الأميركية كانت تسابق لتحييد قدرات الضرب الإيرانية قبل نفاد اعتراضات صاروخية حرجة؛ كما نقلت عن كيلي غريكو، الزميلة في مركز ستيمسون، تحذيرها من أن الولايات المتحدة تستخدم الذخائر «أسرع مما نستطيع استبدالها» . وذكرت 19FortyFive أيضاً أن القلق بشأن مخزونات الصواريخ والاعتراضات الأميركية ظهر خلال أسابيع من بدء النزاع
.
وقدرت دراسة لمعهد هدسون أن الولايات المتحدة استخدمت أكثر من 5,000 ذخيرة في الأيام الأربعة الأولى من الحملة، وأكثر من 11,000 خلال أول 16 يوماً، بينها أكثر من 300 صاروخ كروز من طراز توماهوك؛ بينما كان المخطط شراء 57 صاروخ توماهوك فقط في ذلك العام المالي . هذه أرقام تقديرية وليست كشفاً عاماً كاملاً، لكنها تشرح المشكلة الاستراتيجية: معدلات الاستهلاك العالية قد تتجاوز بسرعة خطط الشراء والإنتاج
.
وهنا تتحول المخازن إلى ورقة سياسية أيضاً. فقد نقلت 19FortyFive عن مسؤول دفاع أميركي سابق قوله إن «كل صاروخ يُستخدم في إيران هو صاروخ لا يمكن استخدامه للردع في المحيطين الهندي والهادئ» . وفي أجواء قمة ترامب-شي التي تناولتها التقارير، يصبح عمق الذخائر جزءاً من خلفية التفاوض، لا مجرد تفصيل لوجستي
.
أبرز رد تايواني على هذه البيئة هو مشروع T-Dome. أعلن الرئيس لاي تشينغ-ته في 10 أكتوبر 2025 نظاماً جديداً متعدد الطبقات للدفاع الجوي، وتعهد بميزانية دفاعية خاصة لتعزيز جاهزية تايوان . وفي نوفمبر 2025، أفادت Focus Taiwan بأن لاي اقترح ميزانية دفاع خاصة بقيمة 1.25 تريليون دولار تايواني، أي نحو 39.85 مليار دولار أميركي، على مدى ثماني سنوات لتمويل T-Dome وتحسينات دفاعية أوسع
.
الأدق أن نفهم T-Dome كشبكة، لا كبطارية واحدة. فقد نقلت Focus Taiwan عن لاي وصفه كنظام يوفر دفاعاً جوياً على الارتفاعات المنخفضة والمتوسطة والعالية، ويستخدم الذكاء الاصطناعي لتحسين الرصد واتخاذ القرار . ووصف معهد دراسة الحرب T-Dome بأنه شبكة دفاع جوي وصاروخي متكاملة مقترحة، تقوم على كميات كبيرة من أنظمة الدفاع الجوي المتحركة، وحساسات متقدمة، وبنية قيادة وسيطرة
. كما أفادت South China Morning Post بأن تايوان تسعى إلى دمج بيانات الأقمار الصناعية والرادارات والمسيّرات في شبكة اتصال أوسع للدفاع متعدد الطبقات
.
هذا التصميم ينسجم مع درس إيران: تايوان تحتاج طبقات دفاعية، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى القدرة على الصمود. فالدرع الذي يعترض الموجة الأولى قد يفشل استراتيجياً إذا استطاعت الصين إجباره على إنفاق أفضل اعتراضاته بسرعة .
يبدو أن تايبيه تستوعب معادلة الكلفة نفسها. فقد أفادت Focus Taiwan بأن معهد تشونغ شان الوطني للعلوم والتكنولوجيا، وهو الجهة الرئيسية للبحث والتطوير العسكري في تايوان، يخطط لتطوير ذخائر أقل كلفة لمواجهة احتمال استخدام الصين أسلحة مشابهة في نزاع قد يستنزف مخزون تايوان من صواريخ الدفاع الجوي .
هذا لا يلغي الحاجة إلى الاعتراضات المتطورة. ستظل تايوان بحاجة إلى أنظمة عالية الأداء لمواجهة التهديدات الأخطر، مثل الصواريخ المتقدمة والطائرات. لكن أي شبكة دفاع جوي لا تستطيع استخدام أغلى أدواتها ضد كل مسيّرة رخيصة أو هدف خادع أو ذخيرة منخفضة الكلفة من دون المخاطرة بالاستنزاف .
لذلك ستتوقف مصداقية T-Dome على التفاصيل العملية: قاذفات متحركة، وحساسات موزعة، وروابط قيادة وسيطرة موثوقة، ومخزون كافٍ لإعادة التذخير، ووسائل أرخص لإسقاط التهديدات الأرخص . اسم النظام مهم سياسياً، لكن قيمته العسكرية تقاس بقدرته على العمل تحت ضغط مستمر.
الصين: الدرس المرجح لبكين هو التشبع لا التقليد. التقارير تشير إلى اهتمام صيني بقدرة الرد الأميركية، وأداء الأسلحة، وعقيدة الضربات، والاستهداف بالذكاء الاصطناعي، وتشبع الدفاعات الجوية . كما يوحي تقرير بوليتيكو بأن الصين قد تستخدم مخزونها الصاروخي الأكبر لخلق أهداف خادعة، أو إرباك، أو ضغط متكرر في سيناريو تايوان
.
الولايات المتحدة: درس واشنطن أن الردع لا يعتمد فقط على المنصات المنتشرة، بل على القدرة الصناعية ومخزون الذخائر. فإذا كانت الذخائر الدقيقة والاعتراضات نفسها مطلوبة في الشرق الأوسط والمحيطين الهندي والهادئ، فإن سرعة الإنتاج والتعويض تصبح جزءاً من إشارة الردع نفسها .
تايوان: درس تايبيه هو العجلة مع الواقعية. T-Dome إطار منطقي للدفاع متعدد الطبقات، لكنه يجب أن يكون عميقاً، متحركاً، وميسور الكلفة بما يكفي للصمود أمام صليات متكررة، لا فقط لاعتراض الضربة الأولى .
المكسب الصيني من مراقبة الحرب الأميركية-الإيرانية ليس اختصاراً سرياً للنصر. إنه عائد استخباري: تستطيع بكين مراقبة معدلات استهلاك الذخائر الأميركية، وضغط الدفاعات الجوية، وسرعة الاستجابة، والارتباك الذي ينشأ عندما تضطر واشنطن إلى التفكير في مسرحين في وقت واحد .
بالنسبة إلى بكين وواشنطن وتايبيه، يبرز الدرس نفسه: في أزمة تايوان، قد لا يكون السؤال الحاسم من يملك السلاح الأكثر تقدماً على الورق، بل من يستطيع الاستمرار في الرصد، والقرار، والإطلاق، وإعادة التذخير بعد الصلية الأولى .
Comments
0 comments