لم يعد دور هذه الشركات يقتصر على التدقيق والاستشارات المالية. اليوم تتنافس أيضاً مع شركات التكنولوجيا والاستشارات التقنية لمساعدة المؤسسات على تطبيق الذكاء الاصطناعي في العمليات والأنظمة المالية وإدارة المخاطر.
وهذا يعني حاجة أكبر لمهندسين وتقنيين بدلاً من توظيف أعداد كبيرة من المحاسبين المبتدئين.
بحلول 2025 أصبح الموظفون في التدقيق والضرائب والاستشارات يستخدمون مساعدات الذكاء الاصطناعي التوليدي والأنظمة الوكيلة بشكل يومي لأتمتة المهام وتحليل البيانات بسرعة أكبر.
بعبارة أخرى، أسرع الأعمال نمواً في هذه الشركات لم تعد أعمال الامتثال التقليدية، بل التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.
هذا التحول مدعوم باستثمارات ضخمة في التكنولوجيا:
هذه الاستثمارات لا تهدف فقط إلى تحسين الإنتاجية داخل الشركات، بل أيضاً إلى تطوير خدمات ومنتجات جديدة يمكن بيعها للعملاء.
المرحلة التالية من هذا التحول تتمثل في استخدام الذكاء الاصطناعي الوكيلي (Agentic AI) — وهو أنظمة قادرة على تنفيذ مهام متعددة الخطوات بشكل شبه مستقل.
من أبرز الأمثلة:
تقوم هذه الأنظمة بأتمتة مهام مثل:
وهي مهام كان يؤديها تقليدياً موظفون مبتدئون.
الذكاء الاصطناعي لا يلغي هذه الوظائف بالكامل، لكنه يغير طبيعتها.
في الماضي كان الموظفون الجدد يقومون بأعمال مثل:
اليوم يمكن للذكاء الاصطناعي تنفيذ جزء كبير من هذه المهام بسرعة أكبر.
ولهذا قامت بعض الشركات بالفعل بتقليل التوظيف من الخريجين الجدد أو خفض برامج التوظيف المبكر خلال السنوات الأخيرة.
أما الوظائف المتبقية فتتحول أكثر نحو:
بمعنى آخر، يتحول دور الموظف من تنفيذ العمل إلى تحليله وتفسيره.
اعتمدت شركات الاستشارات لعقود على هيكل هرمي: عدد كبير من الموظفين المبتدئين تحت عدد أقل من المديرين والشركاء.
لكن الذكاء الاصطناعي يضعف هذا النموذج، لأن الأتمتة تقلل الحاجة إلى عدد كبير من الموظفين الذين كانوا يقومون بالمهام الأساسية.
بدلاً من الاعتماد على ما يسمى الرافعة البشرية (Human Leverage)، بدأت الشركات تعتمد على الرافعة الرقمية — أي استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لزيادة إنتاجية الخبراء.
وقد يؤدي ذلك أيضاً إلى تغيير طريقة تسعير الخدمات، مثل:
في الوقت الذي يساهم فيه الذكاء الاصطناعي في أتمتة بعض الأعمال، فإنه يخلق أيضاً مجالات جديدة للخدمات المهنية.
فالشركات التي تستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى جهة مستقلة للتحقق من قضايا مثل:
وهنا تملك شركات الأربع الكبار ميزة واضحة، لأنها تمتلك خبرة طويلة في مجالات التدقيق وإدارة المخاطر والحوكمة.
لذلك يتوقع العديد من المحللين أن تصبح خدمات ضمان الذكاء الاصطناعي (AI Assurance) سوقاً متنامية في السنوات المقبلة.
هناك معضلة محتملة أيضاً.
تقليدياً كانت هذه الشركات توظف أعداداً كبيرة من الخريجين الجدد لتدريبهم تدريجياً حتى يصبحوا مديرين وشركاء في المستقبل.
لكن إذا قلّ التوظيف في المستويات المبتدئة بشكل كبير بسبب الأتمتة، فقد يضعف هذا النموذج التدريبي القائم على التدرج المهني.
لذلك قد تنجح الشركات التي تستطيع تحقيق توازن بين:
الواضح بالفعل أن قطاع الخدمات المهنية يدخل مرحلة جديدة. فشركات الأربع الكبار لم تعد مجرد شركات محاسبة واستشارات — بل تتحول تدريجياً إلى شركات تكنولوجيا وضمان مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
Comments
0 comments