لا يعني بناء مصانع جديدة أن رقائق الذكاء الاصطناعي ستصبح متاحة فوراً. فالمصنع ليس سوى حلقة واحدة في منظومة صناعية مترابطة: تحتاج خوادم الذكاء الاصطناعي إلى رقاقات منطقية متقدمة، وتغليف متقدم يربط الرقاقات بالذاكرة، وذاكرة عالية الأداء، ومعدات تصنيع متخصصة، إضافة إلى الكهرباء والمياه والكوادر القادرة على بناء هذه المرافق وتشغيلها. وفي النهاية، تحدد أبطأ حلقة في هذه السلسلة حجم الإنتاج الفعلي.
توسع قياسي، لكنه استجابة تستغرق سنوات
تقول TSMC إنها تنشئ نحو 20 مصنعاً حول العالم، بينها 13 في تايوان وخمسة إلى ستة مواقع خارجها. وتصف الشركة هذه الموجة بأنها أكبر بنحو أربعة إلى خمسة أضعاف من وتيرة البناء السابقة، لكن الطلب لا يزال أعلى من الطاقة المتاحة. ويبرز النقص الحاد في عمال الإنشاءات كأحد أكبر العوائق أمام تسريع التوسع.
4
6
والفارق الجوهري هنا هو بين مصنع قيد الإنشاء وإنتاج مؤهل وجاهز للتسليم إلى العملاء. فبعد اكتمال المبنى، يجب تركيب المعدات وضبط خطوط الإنتاج وفق المواصفات ثم رفع الإنتاج تدريجياً إلى مستوى مستقر. وبعد ذلك لا تزال الرقائق بحاجة إلى التغليف والدمج مع الذاكرة والمكونات الأخرى داخل الأنظمة النهائية.
الاختناق لم يعد مقتصراً على تصنيع الرقائق
تعتمد مسرّعات الذكاء الاصطناعي على أكثر من الرقائق المنطقية المتقدمة. فتقنية CoWoS من TSMC، أي «الرقاقة على الرقاقة على الركيزة»، تُستخدم على نطاق واسع في رقائق الذكاء الاصطناعي، ومنها رقائق تصممها إنفيديا. وتتوقع TSMC أن تزيد طاقة تغليف CoWoS بمعدل نمو سنوي مركب يتجاوز 80% بين 2022 و2027، وهو رقم يعكس حجم التوسع وسرعة تحول التغليف المتقدم إلى عنصر أساسي في المعروض من عتاد الذكاء الاصطناعي.
43
وهذا يجعل الأزمة ممتدة على طول سلسلة الإمداد:
- الرقائق المنطقية تحتاج إلى مصانع متقدمة ومعدات إنتاج نادرة ومتخصصة.
- التغليف المتقدم يجب أن يدمج شرائح المعالجة والذاكرة بدقة وبكميات كبيرة.
- الذاكرة يزداد الطلب عليها مع نشر مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، ما يضغط على الموردين في قطاع أوسع من مجرد المسابك.
- المعدات والمرافق والعمالة عناصر مطلوبة قبل أن تتحول أي طاقة جديدة إلى إنتاج فعلي.
لذلك يمكن أن يؤدي نقص التغليف أو الذاكرة إلى تقييد تسليم أنظمة الذكاء الاصطناعي النهائية، حتى لو بدأت طاقة إضافية لإنتاج الرقاقات بالظهور.
العمالة والبنية التحتية تضبطان سرعة التوسع
في أريزونا الأميركية، قالت TSMC إنها تحتاج إلى معالجة نقص عمال الإنشاءات مع توسع منشآتها هناك.
1 وفي تايوان تواجه الشركة ضغوطاً مشابهة: فقد وصف رئيسها التنفيذي سي. سي. وي المواهب المتخصصة بأنها أكبر نقص تواجهه الشركة، مع إبداء القلق أيضاً حيال توافر المياه. ويشير قطاع الرقائق في تايوان عادة إلى ضغوط تتعلق بالمياه والطاقة والعمالة والأراضي والمواهب.
33
وهذه القيود مهمة لأن إنشاء المصانع لا يمكن تسريعه بلا حدود عبر تنفيذ كل شيء بالتوازي. فالمشاريع المتزامنة تتنافس على فرق الإنشاءات ذات الخبرة، ومتخصصي الغرف النظيفة، ومهندسي العمليات، وفرق تركيب المعدات، وكذلك على طاقات الموردين. كما أن توافر معدات تصنيع الرقائق المتقدمة محدود بدوره؛ وقالت TSMC إن الطلب على هذه المعدات يشكل قيداً على الإمدادات بينما تسرّع الشركة توسعها.
41
موقع كاوهسيونغ يسرّع التأهيل ولا يضيف إنتاجاً فورياً
تطور TSMC موقعاً بمساحة ثلاثة هكتارات في مجمع بايبو الصناعي بمدينة كاوهسيونغ لتسريع اختبار واعتماد مواد ومعدات أشباه الموصلات. ومن المتوقع أن يضم الموقع غرفاً نظيفة صغيرة ومختبرات وقدرات تدريب في التغليف المتقدم. وتقول الشركة إن هذه المبادرة قد ترفع كفاءة عمليات الاعتماد بنسبة تتراوح بين 25% و50%.
5
35
تكمن أهمية ذلك في أن المواد والمعدات التي يوفرها الشركاء يجب اعتمادها قبل استخدامها على نطاق واسع في الإنتاج. وتسريع هذه العملية قد يقلص فترة تأخير أقل ظهوراً بين توافر تقنية جديدة وبين صلاحيتها لخط إنتاج ضخم. لكنه إجراء لتحسين الكفاءة، لا بديل عن المباني والمعدات والمرافق والعمالة اللازمة لزيادة الطاقة الإجمالية.
الذاكرة تحدٍّ مستقل في سلسلة توريد الذكاء الاصطناعي
يوسع مورّدو الذاكرة طاقتهم الإنتاجية مع ارتفاع طلب مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، لكن مسؤولين في القطاع حذروا من أن النقص قد يستمر لسنوات. ففي مارس، قال تشي تاي وون، رئيس مجموعة SK، إن نقص الرقائق قد يستمر حتى نحو 2030، مقدراً أن الطلب يتجاوز المعروض بأكثر من 20%، ومشيراً إلى أن بناء طاقة إضافية لإنتاج الرقائق يستغرق ما لا يقل عن أربع إلى خمس سنوات.
19
وتدرس مجموعة SK استثمارات إضافية في الذاكرة خارج كوريا، بما يشمل احتمال إنشاء مصنع في اليابان. كما أبقت الباب مفتوحاً أمام الإنتاج المشترك والتعاون في البحث والتطوير وسلسلة الإمداد مع شركة كيوكسيا اليابانية. غير أن هذه خيارات لا تزال قيد الدراسة، وليست التزامات استثمارية معلنة.
20
24
ماذا تعني الضغوط لتايوان وآفاق القطاع؟
يدعم شح المعروض دورة قوية من الإيرادات. ومن المتوقع أن يحقق قطاع أشباه الموصلات في تايوان إيرادات تقترب من 300 مليار دولار في 2026، بزيادة تتجاوز 40% عن العام السابق، بحسب مسؤول كبير في القطاع نقلت عنه وكالة فرانس برس.
49
وعالمياً، تتوقع جمعية SEMI، وهي منظمة دولية لقطاع معدات ومواد أشباه الموصلات، أن تتجاوز إيرادات سوق الرقائق تريليوني دولار بحلول 2030، مدفوعة بالطلب على بنية الذكاء الاصطناعي التحتية، بما يشمل الرقاقات المنطقية المتقدمة وذاكرة النطاق الترددي العالي ووحدات التخزين المؤسسية من نوع SSD.
46
لكن هذه رؤية صعودية وليست نتيجة محسومة. فقد وضعت TSMC في مايو 2026 توقعاً يتجاوز 1.5 تريليون دولار للسوق العالمية بحلول 2030.
43 ويكشف الفرق بين التقديرين حجم عدم اليقين: إذ سيعتمد حجم السوق النهائي على استمرار الإنفاق على بنية الذكاء الاصطناعي، وعلى قدرة عمال الإنشاءات والمعدات والتغليف والذاكرة والطاقة والمياه على التوسع بالسرعة المطلوبة.
الخلاصة العملية
أزمة رقائق الذكاء الاصطناعي ليست دليلاً على أن TSMC لا تبني بالقدر الكافي. بل هي دليل على أن عتاد الذكاء الاصطناعي منظومة صناعية شديدة الترابط. زيادة عدد مصانع الرقائق ضرورية، لكن فجوة المعروض ستظل قائمة إلى أن تلحق بها بقية المنظومة: التغليف المتقدم والذاكرة والمعدات والبنية التحتية والعمالة المتخصصة.