الخلاصة: الأسواق تطلب ثمناً أعلى للمخاطر
تتعرض السندات الحكومية طويلة الأجل في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان لإعادة تسعير واسعة، بعدما بدأ المستثمرون يطلبون عائداً أكبر مقابل مخاطر العجز المالي، وتراكم الدين، وإصدارات الدين الجديدة، وعدم اليقين بشأن التضخم والسياسة. وتفاقمت الموجة بفعل ارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب منافسة الشركات على رأس المال طويل الأجل، خصوصاً الشركات التي تموّل مراكز البيانات ومكونات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
18
20
21
28
ولم تعد عمليات البيع محصورة في سوق واحدة، بل تحولت إلى ارتفاع متزامن في العوائد طويلة الأجل عبر الاقتصادات الكبرى. فقد لامس عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً نحو 5.34%، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2007. واقترب عائد السندات اليابانية لأجل 10 سنوات من 3%، بينما سجلت العوائد طويلة الأجل في ألمانيا وفرنسا أعلى مستوياتها منذ سنوات.
18
20
21
لماذا ترتفع عوائد السندات طويلة الأجل؟
تتحرك أسعار السندات والعوائد في اتجاهين متعاكسين: عندما يبيع المستثمرون السندات القائمة، تنخفض أسعارها وترتفع عوائدها. وعندها تضطر الحكومات إلى إصدار ديون جديدة بأسعار فائدة أعلى، ما يزيد تكلفة إعادة تمويل الديون المستحقة وتمويل العجز الجديد.
وتتضافر عدة عوامل في دفع العوائد إلى الأعلى:
- العجوزات الهيكلية الكبيرة: استمرار العجز يعني أن الحكومات ستواصل طرح كميات كبيرة من السندات في السوق.
- ارتفاع مخاطر التضخم: التضخم يقلل القيمة الحقيقية للمدفوعات الثابتة، ولذلك يطلب المستثمرون عائداً اسمياً أكبر.
- بقاء أسعار الفائدة مرتفعة: استمرار السياسة النقدية المتشددة يحد من قدرة البنوك المركزية على احتواء إعادة التسعير المالي عبر خفض سريع للفائدة.
- صدمة الطاقة: ارتفاع أسعار الطاقة قد يرفع توقعات التضخم، وفي الوقت نفسه يضغط على القوة الشرائية للأسر والنمو؛ وهي تركيبة صعبة على أسواق السندات والبنوك المركزية.
20
21
- اقتراض الشركات: تمويل مراكز البيانات والرقائق والطاقة وشبكات الاتصالات عبر الديون يزيد المنافسة على المدخرات طويلة الأجل. وهذا لا يثبت أن اقتراض شركات الذكاء الاصطناعي تسبب في موجة البيع، لكنه قد يضيف ضغوطاً على علاوة الأجل وتكاليف تمويل الشركات عندما تكون إصدارات الحكومات مرتفعة بالفعل.
28
وتتجاوز آثار هذه الموجة المحافظ الاستثمارية للسندات. فارتفاع العوائد طويلة الأجل قد يرفع أسعار الرهن العقاري، وتكلفة اقتراض الشركات، وتمويل العقارات التجارية، ومعايير الإقراض المصرفي. وعادة ما تنتقل هذه الآثار إلى الأسر والشركات بفاصل زمني، فتحد من شراء المنازل وإعادة التمويل والاستثمار.
الولايات المتحدة: حلقة تغذية راجعة بين الدين والفائدة
تجاوز إجمالي الدين العام الأميركي حاجز 40 تريليون دولار في أغسطس. ووفق بيانات وزارة الخزانة التي نقلتها رويترز، بلغ إجمالي الدين العام القائم 40.047 تريليون دولار، ويشمل ذلك الدين الذي يحمله الجمهور والحيازات الحكومية الداخلية.
49
لكن الضغط الأكثر إلحاحاً يتمثل في تكلفة خدمة هذا الدين. فقد بلغت مدفوعات الفائدة الصافية نحو 963 مليار دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من السنة المالية 2026، فيما يُتوقع أن تتجاوز تكلفة الفائدة تريليون دولار على مدار السنة المالية بأكملها.
51
57
61
وقد تنشأ عن ذلك حلقة متصاعدة:
- العجوزات الأولية المستمرة تتطلب إصدار مزيد من السندات.
- زيادة المعروض، إلى جانب مخاطر التضخم والقلق المالي، تدفع العوائد إلى الارتفاع.
- ارتفاع العوائد يزيد فاتورة الفائدة الحكومية عند إعادة تمويل الديون.
- اتساع فاتورة الفائدة يوسع العجوزات المستقبلية ما لم تتغير النفقات أو الإيرادات.
- العجوزات الأكبر تتطلب اقتراضاً إضافياً.
لكن هذا يمثل خطراً على استدامة المالية العامة، وليس دليلاً على تخلف أميركي وشيك عن السداد. ويتوقف المسار على نمو الاقتصاد الاسمي، والتضخم، والإيرادات الضريبية، ومتوسط آجال الدين الحكومي، وقدرة صانعي السياسات على وضع مسار موثوق لتحقيق استقرار العجوزات الأولية. ويتوقع مكتب الميزانية في الكونغرس، وفق ملخص لجنة الموازنة الاتحادية المسؤولة، ارتفاع تكاليف الفائدة الفيدرالية من 970 مليار دولار في عام 2025 إلى 2.1 تريليون دولار بحلول عام 2036 إذا بقي القانون الحالي دون تغييرات جوهرية.
63
والنتيجة العملية هي تضييق هامش المناورة المالية. فكلما استحوذت الفائدة على حصة أكبر من الإيرادات، تراجعت قدرة الحكومة على مواجهة الركود أو تمويل البنية التحتية والدفاع أو توسيع البرامج الاجتماعية من دون اقتراض إضافي أو اتخاذ قرارات سياسية صعبة.
فرنسا: أوضح اختبار لمخاطر الدين السيادية في أوروبا
تواجه فرنسا مستويين من الضغط: ارتفاع مستوى الفائدة المشترك في أوروبا، وعلاوة مخاطر خاصة بالبلاد. وقد اتسع الفارق بين عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات وعائد السندات الألمانية إلى نحو 83 نقطة أساس، ما يعني أن المستثمرين يطلبون تعويضاً إضافياً عن المخاطر المالية والسياسية الفرنسية.
1
6
7
وتجري الخلافات بشأن الموازنة الفرنسية وسط انقسام سياسي واقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة في عام 2027. وذكرت رويترز أن زيادة أخرى في العجز قد تضع فرنسا أقرب إلى مستويات العجز الأميركية، فيما وصفت تقارير أخرى معركة الموازنة بأنها تزداد صعوبة مع تموضع الأحزاب استعداداً للانتخابات.
1
2
ولا يعني اتساع الفارق بين السندات الفرنسية والألمانية، المعروف باسم فارق عوائد OAT–Bund، أن فرنسا دخلت تلقائياً أزمة ديون في منطقة اليورو. لكنه يرفع تكلفة تمويل الحكومة الفرنسية وقد يتحول إلى حلقة ذاتية التعزيز: فالعوائد الأعلى تزيد مصروفات الفائدة، ما يجعل خفض العجز أصعب، بينما قد يدفع عدم اليقين السياسي المستثمرين إلى طلب علاوة أكبر.
ويمكن للبنك المركزي الأوروبي المساعدة في الحد من اضطراب الأسواق وتفتتها، لكن أي دعم من البنك المركزي لا يستطيع أن يحل محل المصداقية المالية بصورة دائمة.
12
عمليات إعادة شراء سندات الخزانة: دعم للسيولة لا علاج للعجز
رفعت وزارة الخزانة الأميركية عمليات إعادة شراء الأوراق المالية طويلة الأجل ذات الكوبون الاسمي إلى ما لا يقل عن 4 مليارات دولار لكل عملية. ويمكن لهذه الخطوات تحسين أداء السوق ودعم السيولة مؤقتاً بعد موجة بيع حادة.
19
لكن حدودها مهمة. فإعادة الشراء لا تلغي حاجة الحكومة إلى تمويل العجوزات الهيكلية، ولا تخفض عبء الفائدة الأساسي، ولا تزيل علاوة الأجل التي يطلبها المستثمرون مقابل مخاطر التضخم والمالية العامة. وقد تساعد إجراءات دعم السيولة في الحد من الفوضى، لكنها لا يمكن أن تحل محل تعديل مالي موثوق.
هل يمكن لليابان أن تزيد الضغط على سندات الخزانة الأميركية؟
تعد اليابان أكبر حائز أجنبي لسندات الخزانة الأميركية، إذ تتجاوز حيازاتها 1.1 تريليون دولار. وهذا يخلق قناة محتملة لانتقال الضغوط بين السوق اليابانية وسياسة سعر الصرف وتكاليف الاقتراض الأميركية. فإذا باعت السلطات اليابانية سندات الخزانة لدعم الين، أو أعادت المؤسسات اليابانية أموالها إلى الداخل مع ارتفاع العوائد المحلية، فقد يضعف الطلب على سندات الخزانة ويرفع العوائد الأميركية أكثر.
33
34
37
لكن هذا يظل خطراً هامشياً وليس شرارة تلقائية لأزمة في سوق الخزانة. فالبيع السريع واسع النطاق سيخفض أيضاً قيمة المحفظة اليابانية المتبقية، وقد يرفع العوائد الأميركية بطريقة تضر اليابان نفسها. كما أشار مسؤول بارز في وزارة المالية اليابانية إلى أن استخدام سندات الخزانة في تدخلات العملة قد يأتي بنتيجة عكسية.
36
وحتى من دون تصفية واسعة للحيازات، قد يكون انخفاض الطلب الياباني مؤثراً على الهامش. فعودة اليابان إلى تطبيع أسعار الفائدة وارتفاع العوائد المحلية يقللان أحد مصادر الطلب التقليدية على السندات الأجنبية طويلة الأجل، وفقاً لـ«تي دي إيكونوميكس».
39
47
لماذا تتعرض الأسهم ومشروعات الذكاء الاصطناعي للضغط؟
تُستخدم عوائد السندات طويلة الأجل أيضاً معياراً لتقييم الأسهم. فارتفاع العوائد الحقيقية والاسمية يقلل القيمة الحالية للأرباح المتوقعة في المستقبل البعيد. ولهذا تصبح شركات النمو ذات «المدة» الطويلة—أي الشركات التي تعتمد تقييماتها على توسع سريع وأرباح مستقبلية—أكثر حساسية لتحركات سوق السندات من الشركات التي تحقق تدفقات نقدية كبيرة اليوم.
وتواجه شركات الذكاء الاصطناعي ضغطاً إضافياً يتعلق بالتمويل. فمراكز البيانات ومعدات الحوسبة وقدرات الكهرباء وشبكات الاتصال تتطلب إنفاقاً رأسمالياً ضخماً. وعندما تصبح الديون أكثر تكلفة، قد تتأخر المشروعات التي تعتمد على تمويل خارجي رخيص، أو تتقلص أحجامها، أو تخضع لمتطلبات عائد أعلى. كما قد تتسع فروق الائتمان للشركات مع إعادة تقييم المستثمرين لمخاطر الرفع المالي وإعادة التمويل.
وهذا الانتقال إلى سوق الأسهم ليس افتراضياً. فقد أفادت رويترز بأن موجة بيع السندات العالمية هزت أسواق الأسهم مع صعود العوائد طويلة الأجل إلى مستويات مرتفعة لم تُسجل منذ عقود.
17
21
المفاضلة الصعبة بين العوائد والنمو
قد تعكس العوائد المرتفعة نمواً اسمياً أقوى، لكن إعادة التسعير الحالية ترتبط أيضاً بالعجوزات والتضخم ومخاطر الطاقة الجيوسياسية. وهذه التركيبة أكثر إضراراً من ارتفاع الفائدة المدفوع بالنمو وحده.
بالنسبة إلى الأسر، تؤدي أسعار الرهن العقاري الأعلى إلى تراجع القدرة على تحمل كلفة السكن وتثبيط شراء المنازل. وبالنسبة إلى الشركات، ترفع عوائد السندات ومعدلات المبادلة تكلفة الاستثمار وإعادة التمويل. أما الحكومات، فتجد أن ارتفاع مصروفات الفائدة ينافس الإنفاق على الخدمات العامة والاستثمار. ومع مرور الوقت، قد تؤدي هذه القنوات إلى إبطاء التوظيف والبناء والتوسع التجاري.
ويزداد التحدي تعقيداً عندما يبقى التضخم مرتفعاً. فخفض الفائدة قد يدعم النمو لكنه يخاطر بإحياء توقعات التضخم، في حين أن الإبقاء على سياسة نقدية متشددة قد يكبح التضخم لكنه يفاقم ضغط خدمة الدين وضعف الاستثمار.
ما الذي يمكن أن يخفض العوائد طويلة الأجل؟
يتطلب التحسن المستدام أكثر من عملية مؤقتة لدعم السيولة. وستحتاج الأسواق إلى أدلة على مزيج من العوامل التالية:
- انخفاض توقعات التضخم واستقرارها؛
- وجود مسارات متوسطة الأجل موثوقة لخفض العجوزات الأولية؛
- استقرار الدين مقارنة بالنمو الاقتصادي؛
- بقاء احتياجات إعادة التمويل ضمن مستويات يمكن إدارتها؛
- تراجع عدم اليقين السياسي بشأن الموازنات والقواعد المالية.
وإلى أن تتحسن هذه الشروط، ستعمل العوائد طويلة الأجل كمؤشر سوقي على الانضباط المالي. فالرسالة الأساسية لموجة البيع ليست أن كل حكومة تواجه تخلفاً وشيكاً عن السداد، بل أن المستثمرين لم يعودوا مستعدين للتعامل مع العجوزات المستمرة ومخاطر التضخم وكثافة إصدارات الدين باعتبارها أموراً بلا تكلفة—خصوصاً في وقت تتنافس فيه الحكومات والشركات سريعة النمو على مجموعة الأموال نفسها ذات الأجل الطويل.