لا تعتمد أوروبا بالكامل على الغاز الطبيعي المسال القادم من الخليج. فهي تحصل على شحنات من موردين آخرين، كما وسعت قدرات إعادة تحويل الغاز المسال إلى حالته الغازية. وتقول المفوضية الأوروبية إن البنية التحتية للاتحاد قادرة على دعم واردات إضافية في سيناريوهات توافر معينة.
لكن المشكلة تكمن في السعر والتوقيت. فإذا كان المشترون الآسيويون مستعدين لدفع المزيد مقابل الشحنات الفورية، فسيتعين على المستوردين الأوروبيين رفع عروضهم لجذب السفن أو إعادة توجيهها. وهذا يزيد تكلفة إعادة ملء المخزونات ويقلل المرونة المتاحة إذا ظل الطلب الآسيوي على التبريد مرتفعًا مع دخول أوروبا موسم التدفئة.
والنتيجة سوق عالمية أكثر ضيقًا، حتى لو لم تفقد أي دولة أوروبية منفردة إمكانية الوصول إلى الغاز بالكامل.
أُفيد بأن مخزونات الغاز في الاتحاد الأوروبي كانت ممتلئة بنحو 59% في 17 أغسطس، بينما وضعت تقديرات أخرى لمنتصف الشهر المستوى عند نحو 60.8%. وفي وقت سابق من أغسطس، وُصفت المخزونات بأنها الأدنى لهذه الفترة من العام منذ ما يقرب من عقدين.
وتعمل المخزونات كحاجز بين الواردات المعتادة وذروة الطلب الشتوي. وعندما يبدأ الموسم بمستويات أقل، يتعين على المشترين تسريع عمليات التعبئة قبل وصول الطقس البارد، أو الاعتماد بدرجة أكبر على شحنات الغاز الطبيعي المسال الجديدة خلال الشتاء نفسه. ويصبح كلا الخيارين أكثر صعوبة عندما تكون حركة السفن عبر هرمز مقيدة ويتنافس المشترون الآسيويون على الشحنات.
ولا يعني انخفاض التخزين تلقائيًا فرض تقنين للغاز، لكنه يعني أن موجة برد أو تأخرًا في الشحن أو تراجعًا إضافيًا في إمدادات خطوط الأنابيب سيكون له تأثير أكبر في الأسعار مقارنة بسوق تمتلك مخزونات وفيرة.
تستغل أوروبا عادةً أشهر الطقس الدافئ لضخ الغاز إلى مرافق التخزين استعدادًا للشتاء. لكن موجات الحر ترفع الطلب على الكهرباء اللازمة لتشغيل أجهزة التكييف، في حين يمكن لانخفاض منسوب الأنهار أن يقلص إنتاج بعض المحطات النووية التي تعتمد على مياه الأنهار للتبريد. وعندما يرتفع استهلاك الغاز في قطاع الكهرباء خلال الصيف، تتراجع الكميات المتاحة للضخ في المخزونات.
وهكذا تتشكل حلقة ضاغطة: درجات الحرارة المرتفعة تزيد الطلب الفوري على الغاز لتوليد الكهرباء، بينما تجعل المخزونات المنخفضة كل عملية ضخ فائتة أكثر أهمية. وإذا بدأ السوق الاستعداد للشتاء في وقت أبكر، فقد تؤدي عمليات الشراء الإضافية إلى دفع الأسعار صعودًا قبل بدء موسم التدفئة.
لا يمثل تجدد القتال المرتبط بلبنان، في حد ذاته، دليلًا على فقدان مباشر لإمدادات الغاز الأوروبية. لكن أهميته تكمن في أنه يفاقم المخاوف من اتساع التصعيد الإقليمي ومن تضرر أمن طرق الشحن في الشرق الأوسط. وتوضح التقارير التي ربطت بين توترات لبنان ومخاطر هرمز وارتفاع أسعار الطاقة أن المتعاملين ينظرون إلى هذه التطورات باعتبارها مصادر مترابطة لعدم اليقين.
لذلك يرجح أن يكون الأثر الفوري متمثلًا في تسعير المخاطر، لا في انخفاض واضح ومقاس في كميات الغاز المتجهة إلى أوروبا. غير أن استمرار الصراع الإقليمي يجعل من الأصعب على المشترين افتراض وصول الشحنات البديلة من دون تأخير أو تكاليف إضافية للتأمين والنقل.
سيضع استمرار الاضطراب أوروبا أمام أربعة ضغوط في وقت واحد:
وفي هذا السيناريو، قد ترتفع أسعار TTF الهولندية كثيرًا فوق مستوياتها الحالية. وقد تواجه الحكومات ومشغلو شبكات الكهرباء ضغوطًا لتقليص الطلب خلال فترات ذروة التدفئة أو استخدام الغاز في قطاع الكهرباء.
لكن تحول هذا الوضع إلى نقص مادي سيعتمد على مدة الاضطراب، والطقس، وتدفقات الغاز المتبقية عبر خطوط الأنابيب، وإمكانية إعادة توجيه شحنات الغاز الطبيعي المسال، ومدى استجابة الطلب لارتفاع الأسعار.
الخلاصة الأساسية هي أن الأسواق تسعّر هامشًا متقلصًا للخطأ، لا فشلًا مؤكدًا لإمدادات الغاز في أنحاء أوروبا.
قالت المفوضية الأوروبية إن الوصول إلى مستوى تخزين قدره 80% قبل الموعد الشتوي ذي الصلة كافٍ لتأمين الإمدادات وقابل للتحقيق من الناحية التقنية. كما خفّض الاتحاد الهدف السابق البالغ 90% إلى 80% بحلول ديسمبر، جزئيًا لتجنب موجة شراء قبل الشتاء قد تدفع الأسعار إلى الارتفاع.
ويعتمد هذا التقييم على افتراضات تتعلق بتوافر الغاز الطبيعي المسال واستمرار عمل البنية التحتية الأوروبية للاستيراد. ويعرض تحليل المفوضية للاستعداد سيناريوهات يمكن فيها إعادة ملء المخزونات إلى 80% على الأقل بحلول نوفمبر، تبعًا لتوافر إمدادات الغاز الطبيعي المسال.
وهذه هي الظروف التي يضغط عليها اضطراب هرمز تحديدًا. فإذا عادت حركة الشحن إلى طبيعتها، فقد تظل أمام أوروبا فرصة لإعادة بناء مخزوناتها. أما إذا استمرت القيود وظل الطلب الآسيوي قويًا، فسيصبح بلوغ الهدف أكثر كلفة، وستكون عواقب الشتاء البارد أشد.
في الوقت الحالي، تشير سوق الغاز الأوروبية إلى هشاشة متزايدة لا إلى نتيجة محسومة: فقد ارتفعت أسعار TTF، ولا تزال المخزونات منخفضة بصورة غير معتادة، وكل أسبوع إضافي من تقييد تدفقات الغاز الطبيعي المسال الخليجي يجعل أوروبا أكثر اعتمادًا على الشحنات البديلة، وعمليات الضخ في الوقت المناسب، وطقس معتدل.