ولا تسعّر السوق البراميل التي قد تتأخر في لحظة معينة فحسب، بل تسعّر أيضاً احتمال استمرار تحويل مسارات السفن، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وتأخر الناقلات، وتراجع توافر الشحنات، واتساع نطاق المواجهة الإقليمية. كما زادت التقارير عن انخفاض العبور عبر هرمز المخاوف من أن تكون كميات الخام الخارجة من الخليج أقل مما تشير إليه بعض التقديرات الأميركية.
وبحسب ما أوردته شبكة NPR، تضمنت المقترحات الإيرانية قيوداً على السفن المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل، وفرض رسوم على حركة تجارية أخرى، وعقوبات على المخالفين. وكان المقترح قيد المراجعة البرلمانية، وليس نظاماً دائماً مطبقاً بالكامل. وهذه الضبابية وحدها تجعل قرارات مشغلي السفن والمتداولين وشركات التأمين أكثر صعوبة.
عادةً ما يستفيد الذهب عندما يبحث المستثمرون عن أصول سائلة يُنظر إليها كمخزن للقيمة أثناء التوترات الجيوسياسية. وتجمع أزمة هرمز بين خطر التصعيد العسكري واحتمال حدوث صدمة في الطاقة، ما يجعل المعدن النفيس أكثر جاذبية، حتى مع استمرار تأثير أسعار الفائدة والدولار في اتجاهه.
وتظهر التقارير المتاحة أن الذهب حقق مكاسب قوية خلال الأسبوع السابق. وقال مجلس الذهب العالمي إن سعر الذهب وفق مرجع LBMA المسائي أغلق عند 4,336 دولاراً للأونصة للأسبوع المنتهي في 7 أغسطس، بعد ارتفاع أسبوعي نسبته 7.7%. كما أفاد تقرير آخر بأن عقود الذهب الهندية لشهر أكتوبر في بورصة MCX ارتفعت 0.73% يوم الجمعة، وأن الذهب صعد 0.86% خلال الأسبوع.
لكن هذه الأرقام تمثل المراجع الأسبوعية المتاحة في المصادر، ولا تثبت أن أزمة هرمز كانت السبب الوحيد وراء الصعود. فقد لعبت أيضاً البيانات الاقتصادية الأميركية الضعيفة وتغير توقعات سياسة الاحتياطي الفيدرالي دوراً مهماً في دعم الذهب خلال تلك الفترة.
إن فرض قيود شديدة على حركة الملاحة في هرمز سيرفع عدم اليقين وكلفة نقل الخام الخليجي والغاز الطبيعي المسال. وقد يظهر الأثر عبر قنوات عدة، منها تراجع عدد الشحنات المتاحة، وإعادة توجيه السفن، وطول الرحلات، وارتفاع أجور الشحن والتأمين، فضلاً عن التأخيرات.
ولا يلزم أن ترتفع الأسعار المرجعية بنفس نسبة ارتفاع تكلفة التسليم الفعلية؛ فقد تتسع الفجوة بين سعر السلعة في مركز التداول وكلفة إيصالها إلى المشتري النهائي.
وتؤكد المصادر تباطؤ حركة الناقلات أو توقفها واستمرار المخاوف من اضطراب الشحن، لكنها لا تقدم تغيراً موثوقاً في سعر الغاز الطبيعي يوم 17 أغسطس، أو تحولاً موثقاً في أجور الناقلات، أو تعديلاً تشغيلياً محدداً من جانب المصافي الهندية.
وبالنسبة إلى الهند، يتمثل الخطر الأساسي في انتقال الصدمة إلى فاتورة الاستيراد. فارتفاع أسعار الخام والغاز الطبيعي المسال قد يزيد تكاليف النقل والكهرباء والأسمدة، كما يمكن أن تضيف مشتريات الطاقة المقومة بالدولار ضغطاً على العملة. وهذه قنوات تعرض محتملة، لكن المواد المتاحة لا تسمح بتقدير رقمي لأثر الأزمة في المصافي الهندية أو تضخم المستهلكين.
تجاوز الخلاف الترتيبات الفنية الخاصة بممرات الشحن. فقد قالت إيران إن المضيق لن يُفتح بالكامل ما لم تغيّر واشنطن سلوكها وتقبل شروطاً تشمل إنهاء العمل العسكري، وتخفيف العقوبات، وانسحاب القوات الأميركية، والإفراج عن الأصول المجمدة، ودفع تعويضات عن أضرار الحرب.
كما أفادت تقارير بأن إيران تسعى إلى فرض قيود على السفن المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل ودول أخرى تصفها بالمعادية. وأفادت NPR بأن خطة قيد المراجعة البرلمانية اقترحت فرض رسوم تصل إلى 7% من قيمة الشحنة، وغرامات على السفن التي تنتهك الشروط.
في المقابل، اتخذت واشنطن موقفاً معاكساً. فقد رفض الرئيس دونالد ترامب مطلب طهران بالتعويضات، وقال إن على إيران تعويض من قُتلوا أو أصيبوا في الحروب والهجمات والاحتجاجات. ووصفت رويترز هذا التبادل بأنه تصعيد لفظي يُرجح أن يزيد صعوبة التوصل إلى اتفاق لإعادة فتح الممر المائي.
كما نفت إيران إجراء مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، وقالت إن النقاشات تجري مع سلطنة عُمان بشأن إدارة المضيق. وهنا تظهر فجوة أساسية لا تتعلق بمضمون الاتفاق فقط، بل بقناة التفاوض نفسها. فحتى التوصل إلى اتفاق مع عُمان بشأن إدارة المضيق أو إنشاء ممرات شحن جديدة لن يحسم تلقائياً الشروط الأوسع بين واشنطن وطهران.
تقلل البيانات الاقتصادية الأميركية الضعيفة عادةً من مبررات رفع الفائدة قريباً، لأنها تشير إلى تباطؤ الطلب. لكن صدمة مستمرة في أسعار النفط أو الغاز يمكن أن ترفع التضخم العام، وربما تضخم التوقعات إذا طال أمدها. وهذا يضع صانعي السياسة أمام موازنة صعبة بين تباطؤ النمو وتجدد ضغوط الأسعار.
وأظهر تقرير في أغسطس تراجع توقعات رفع الفائدة الأميركية في سبتمبر من 67% إلى 55%. لكن المصادر المتاحة لا تثبت مقدار ما يرجع من هذا التحول إلى أزمة هرمز تحديداً، كما لا تتحقق من الأهمية الدقيقة أو التوقيت الخاص بمحضر اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة المشار إليه في السؤال الأصلي في 19 أغسطس.
وعملياً، تعني الأزمة مفاضلة أصعب للسياسة النقدية، لا توقعاً واضحاً لمسار الفائدة. فقد تدعم البيانات الضعيفة خفض الفائدة، بينما قد يدفع تضخم الطاقة البنك المركزي إلى التريث. لذلك لا ينبغي اعتبار أي من العاملين حاسماً من دون بيانات أحدث عن التضخم وسوق العمل ومواقف الاحتياطي الفيدرالي.
قد يؤدي التصعيد، مثل وقوع هجمات إضافية أو فرض حصار أكثر قابلية للتنفيذ أو حدوث انخفاض ملموس في تدفقات التصدير، إلى رفع أسعار الخام والغاز الطبيعي المسال والشحن، وتعزيز الطلب على الذهب، والضغط على الأصول عالية المخاطر. وستعتمد سرعة التحرك على حجم الإمدادات المتعطلة فعلياً والمدة التي يتوقعها المتداولون لاستمرار الاضطراب.
أما التوصل إلى اتفاق موثوق وقابل للتنفيذ لإعادة فتح المضيق، فقد يقود إلى رد فعل معاكس. إذ يمكن أن تتراجع بسرعة نسبة كبيرة من علاوة الندرة والمخاطر الجيوسياسية، ما يضغط على أسعار النفط وأجور الشحن ويقلل أحد مصادر دعم الذهب. ولن يلغي ذلك جميع مخاطر السوق، لكنه سينقل الاهتمام الفوري من القلق بشأن الإمدادات إلى مسار العودة نحو الوضع الطبيعي.
وبالنسبة إلى اقتصادات مستوردة للطاقة مثل الهند، لا يكمن المتغير الحاسم في سعر برنت وحده، بل في مجموع تكاليف الخام والغاز الطبيعي المسال والشحن والتأمين، إلى جانب حركة العملة وهوامش التكرير ومدة الاضطراب.
الخلاصة التي تدعمها الأدلة الحالية واضحة: أزمة هرمز رفعت مستوى عدم اليقين وعلاوات المخاطر، لكنها لا تبرر اختلاق تحركات سعرية دقيقة لم تثبتها التقارير المتاحة.