إطلاق لين جون يانغ لشركة Pragmatik Labs في شنغهاي مهم ليس لأنها شركة ذكاء اصطناعي جديدة فحسب، بل بسبب الشخص الذي مُنح الموارد لتحديد اتجاهها. فقد أعلن لين، المدير التقني السابق لنماذج Qwen التابعة لعلي بابا، تأسيس الشركة في ١٢ أغسطس ٢٠٢٦ لتطوير وكلاء ذكاء اصطناعي يعملون عبر البيئتين الرقمية والمادية. وتضع تقارير إعلامية تقييم الشركة بعد التمويل عند نحو ملياري دولار، رغم عدم امتلاكها منتجاً أو عرضاً تجريبياً معلناً حتى ذلك الوقت.
1
4
13
لكن ينبغي التعامل مع هذا الرقم بوصفه تقديراً متداولاً في السوق، لا رقماً مُفصحاً عنه ومدققاً بصورة مستقلة. ومع ذلك، يعكس الإطلاق تحولاً أوسع في صناعة التكنولوجيا الصينية: فالباحثون العاملون على حدود الذكاء الاصطناعي يكتسبون نفوذاً متزايداً في تأسيس الشركات، وجمع التمويل، وتحديد استراتيجية النماذج، وبناء الفرق، والوصول إلى موارد الحوسبة النادرة.
من قيادة أبحاث Qwen إلى تأسيس مختبر مستقل
انضم لين إلى أكاديمية DAMO التابعة لعلي بابا عام ٢٠١٩، ثم أصبح أحد القادة التقنيين لعائلة نماذج Qwen. وفي ٤ مارس ٢٠٢٦، أعلن مغادرته فريق Qwen، قبل أن يطلق Pragmatik Labs بعد بضعة أشهر.
6
13
وتتمثل مهمة الشركة المعلنة في طموح كبير: تطوير وكلاء قادرين على العمل بين العالم الرقمي والعالم المادي. ووفق التقارير، قادت Gaorong Ventures وHSG جولة التمويل، مع مشاركة تينسنت، فيما سمّت بعض التغطيات أيضاً صندوقاً صناعياً مدعوماً من حكومة شنغهاي.
4
6
13
ويعكس اسم الشركة هذا التوجه. فقد ربط لين كلمة «Pragmatik» بالبراغماتية وبفكرة إعادة الذكاء الاصطناعي إلى الأماكن التي تحدث فيها الأشياء فعلاً. وعملياً، يشير ذلك إلى أنظمة لا تكتفي بإنشاء النصوص أو وصف المواقف، بل تستدعي الأدوات، وتتعلم من الملاحظات، وتنسق الأفعال، وقد تعمل مستقبلاً في بيئات حقيقية.
6
14
لماذا أصبح الحكم التقني مصدراً للسلطة داخل الشركات؟
يتطلب بناء النماذج المتقدمة قرارات بشأن بنية النموذج، والبيانات، وأساليب التدريب، وطرق التقييم، والبنية التحتية، وتصميم الوكلاء، وإمكان تحويل البحث إلى منتج. وتحدد هذه القرارات أين تُنفق ميزانية الحوسبة، وكيف يُوزع عدد المهندسين، وما التجارب التي تحصل على الوقت والتمويل.
في الأسواق التكنولوجية الأكثر نضجاً، تستطيع الشركات غالباً الاعتماد على أساليب مجربة في التوزيع والتشغيل وتغليف المنتجات والتوسع. أما الذكاء الاصطناعي المتقدم، فمساره لا يزال غير محسوم، ولا يوجد اتفاق واسع على الرهانات البحثية التي ستنتج ميزة مستدامة. وهذا الغموض يرفع قيمة الأشخاص القادرين على تقييم الأسئلة التقنية التي لم تُحسم بعد.
هنا يتغير دور الباحث. فالعالم الذي يملك سجلاً موثوقاً لم يعد بالضرورة موظفاً يقدم المشورة لمنظمة المنتج أو الأعمال؛ بل قد يشارك مباشرة في تحديد المنتجات التي ينبغي بناؤها، والتجارب التي تستحق التمويل، والبنية التحتية التي يجب إنشاؤها، والفريق القادر على تنفيذ الخطة.
وتجمع رحلة لين هذه المسؤوليات في حدث واحد: قائد أبحاث سابق في شركة منصات كبرى يصبح مؤسس مختبر مستقل ممولاً، ويركز على جبهة تقنية جديدة.
النمط نفسه يظهر داخل أكبر المنصات الصينية
لا تبدو Pragmatik Labs حالة منفردة في انتقال العلماء إلى مركز السلطة المؤسسية.
- بايدو: تصف تقارير عن إعادة تنظيم أعمال الذكاء الاصطناعي الشركةَ وهي تضع وو تيان، قائد أبحاث النماذج الأساسية، ضمن هيكل يتيح له وصولاً مباشراً إلى الرئيس التنفيذي روبن لي.
20
- تينسنت: عُيّن الباحث السابق في OpenAI ياو شونيو كبير علماء الذكاء الاصطناعي في مكتب الرئيس التنفيذي، وارتبط بجهود الشركة في النماذج الكبيرة والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
19
23
30
- بايت دانس: انضم وو يونغهوي، نائب الرئيس السابق في Google DeepMind، إلى قسم Seed لقيادة الأبحاث الأساسية، على أن يرفع تقاريره مباشرة إلى الرئيس التنفيذي ليانغ روبو، وفقاً للتقارير.
26
27
وتكشف هذه التعيينات عن استجابتين تنظيميتين للمشكلة نفسها. فالشركات الكبرى تقرّب كبار الباحثين من الرئيس التنفيذي، بينما تمنح الشركات الناشئة هؤلاء الباحثين الملكية وسلطة جمع التمويل والسيطرة على خارطة طريق تقنية كاملة.
خبرة الباحث أصبحت مؤهلاً لتأسيس شركة
يظهر الاتجاه أيضاً في منظومة الشركات الناشئة الصينية، حيث أصبحت الخبرة البحثية والتدريب التقني المتقدم جزءاً متزايد الأهمية من مؤهلات المؤسس. ويُقدَّم يانغ تشيلين، مؤسس Moonshot AI التي تقف وراء نماذج Kimi، بوصفه صاحب خبرة امتدت إلى Meta AI وGoogle Brain وجامعة تسينغهوا.
22
28
وتقدم MiniMax مثالاً آخر على احتفاظ المؤسسين التقنيين بنفوذ فعلي؛ إذ أفادت WireScreen بأن الكيانات الاستثمارية التابعة للمؤسس يان جونجيه تملك أقل من ربع أسهم الشركة، لكنها تسيطر عليها عبر حقوق تصويت مرجّحة.
18
ولا يعني ذلك أن الخبرة التقنية تحل محل تنفيذ المنتجات أو التوزيع أو الإدارة. بل إنها أصبحت مصدراً للقوة التفاوضية إلى جانب هذه العناصر. فالباحثون الذين أثبتوا قدرتهم على اكتشاف قدرات مهمة في النماذج وبنائها قد يتمكنون من جذب المستثمرين، واستقطاب المواهب، وتأمين البنية التحتية قبل أن يثبتوا وجود نشاط تجاري تقليدي.
ماذا تقول Pragmatik Labs عن صناعة الذكاء الاصطناعي في الصين؟
أوضح دلالة هي إعادة توزيع سلطة اتخاذ القرار. فكلما تمحورت المنافسة حول مسارات بحثية غير مؤكدة وبنية تحتية مكلفة، ازداد نفوذ الأشخاص القادرين على تقييم هذه المسارات وتحديد أيها يستحق الموارد.
وهذا لا يضمن النجاح. فما زال على Pragmatik Labs تحويل أطروحتها البحثية إلى وكلاء موثوقين، ومنتجات مفيدة، وشركة قادرة على الاستمرار. كما أن التقييم المُعلن ليس دليلاً على أن الرهان التقني أو التجاري سينجح.
لكن الإطلاق يكشف ما يستعد المستثمرون وشركات التكنولوجيا لتمويله: ليس المنتجات الجاهزة فقط، بل أيضاً حكم الباحثين الذين قد يكتشفون الاتجاه العملي التالي. ومن هذه الزاوية، تمثل خطوة لين مؤشراً مهماً على طبيعة اقتصاد الذكاء الاصطناعي المتقدم في الصين. فالعالِم لم يعد فقط الشخص الذي يبني النظام، بل أصبح بصورة متزايدة الشخص الموثوق به لتحديد ما ينبغي للشركة أن تبنيه بعد ذلك.