كان تحالف فاي وسونكو هو المحرك لواحدة من أبرز التحولات الديمقراطية في أفريقيا عام 2024. لكن سرعان ما تحطم هذا التحالف على صخرة خلاف أيديولوجي جوهري حول السياسة الاقتصادية. بعد شهور من التوترات الخفية، انفجر الوضع علناً حين هدد سونكو بأنه سيقود حزبه "باستيف" إلى صفوف المعارضة إذا ما انحرفت الحكومة عن برنامجها السياسي الصارم، وتحديداً إذا ما سعت إلى إعادة هيكلة الديون أو الرضوخ لشروط صندوق النقد الدولي.
بالنسبة للرئيس فاي، كان هذا التحدي غير مقبول على الإطلاق في ظل حالة طوارئ مالية خانقة. فقد كشف تدقيق مالي أمرت به الحكومة نفسها في عام 2025 عن وجود 13 مليار دولار من الديون العامة غير المعلنة سابقاً، مما رفع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى مستوى مقلق بلغ 132%. وكان رد فعل صندوق النقد الدولي سريعاً وقاسياً بتجميد برنامج الإقراض الخاص بالسنغال، مما ترك الحكومة في سباق محموم لتجنب التعثر عن سداد ديونها السيادية.
وجد فاي، الذي كان يميل إلى التعاون مع المؤسسات المالية الدولية لإنقاذ الاقتصاد، نفسه أمام خيار وحيد: إزاحة العائق. في 22 مايو 2026، أعلن مرسوم رئاسي إنهاء مهام سونكو وحل الحكومة، في خطوة تم تأطيرها رسمياً على أنها ضرورية لإنقاذ البلاد من "ديون خانقة".
لملء الفراغ، لجأ الرئيس فاي إلى أحمدو الأمين لو، الخبير الاقتصادي المخضرم والرئيس السابق لفرع البنك المركزي لدول غرب أفريقيا في السنغال. كان التعيين متعمداً ليكون غير حزبي وغير سياسي. فلو، المولود عام 1961، والذي شغل منصب الوزير - الأمين العام للحكومة منذ أبريل 2024، هو رجل مصرفي وتقني من الطراز الأول، وليس من صقور الحزب الحاكم.
خدم هذا الاختيار غرضين مزدوجين. على المستوى الداخلي، أشاد الإعلان الرسمي بخبرته في "خبايا الاقتصاد والمال"، في إشارة إلى أن الأزمة الوطنية تتطلب إدارة تقنية بحتة وليس شعبوية. وعلى المستوى الدولي، كانت الرسالة واضحة: السنغال جادة في الانضباط المالي ومستعدة للتفاوض على مسار واقعي مع صندوق النقد، حتى لو تطلب ذلك إصلاحات مؤلمة.
لكن المباراة السياسية تسارعت بشكل دراماتيكي خلال 48 ساعة. رئيس البرلمان، المالك ندياي، الحليف المقرب من سونكو، استقال من منصبه في 24 مايو في خطوة صممت خصيصاً لتمهيد الطريق أمام رئيس الوزراء المقال للعودة إلى المجلس التشريعي. وبعدها بيومين، في 26 مايو، صوت النواب لصالح إعادة سونكو إلى عضوية البرلمان ثم انتخبوه رئيساً جديداً للجمعية الوطنية بـ 132 صوتاً، ليمنحوه السيطرة على مجلس يتمتع فيه حزبه "باستيف" بأغلبية مريحة.
هذا السيناريو خلق مواجهة سياسية لا تكاد تجد لها نظيراً في تاريخ السنغال الحديث. سونكو، الذي أصبح الآن ثاني أعلى مسؤول في الدولة، يمتلك صلاحية تأخير أو عرقلة المصادقة على حكومة لو، وعرقلة ميزانية 2026، واستخدام صلاحيات الرقابة البرلمانية لمهاجمة حكومة فاي-لو بلا هوادة. السلطتان التنفيذية والتشريعية أصبحتا الآن تحت سيطرة فصيلين متناحرين من نفس التحالف الحاكم السابق، وهو سيناريو يحمل في طياته كل مخاطر أزمة دستورية شاملة.
خلف المسرح السياسي، هناك حالة طوارئ اقتصادية حقيقية. يقدر صندوق النقد الدولي أن الدين العام للسنغال بلغ 132% من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية عام 2024، أي ما يعادل حوالي 42 مليار دولار. هذا الرقم هو مراجعة صادمة للأرقام المعلنة سابقاً، وهو نتيجة مباشرة للتدقيق الذي وجد مليارات الدولارات من الالتزامات المخفية.
من المتوقع أن تصل تكاليف خدمة الدين إلى 5.5 تريليون فرنك أفريقي (حوالي 9.1 مليار دولار) في عام 2026، مما يلتهم حصة كبيرة وخطيرة من الإيرادات الضريبية.
هناك إجماع متزايد بين الاقتصاديين على أن شكلاً من أشكال إعادة الهيكلة، سواء من خلال إطار العمل المشترك لمجموعة العشرين أو آليات أخرى، لم يعد خياراً بل ضرورة حتمية.
برنامج صندوق النقد الدولي المجمد بقيمة 1.8 مليار دولار ليس مجرد دفعة مالية متأخرة. فبدون التوصل إلى اتفاق، لا يمكن للسنغال فتح مزيد من الدعم من البنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية وشركاء ثنائيين آخرين، مما يزيد من خطر حدوث أزمة سيولة فورية. تولى الرئيس فاي بنفسه قيادة المفاوضات مع الصندوق في منتصف مايو 2026، لكن المحادثات تعقدت بسبب غياب موقف حكومي متماسك، وهي مشكلة استمرت طالما كان سونكو على رأس الحكومة ويعارض أي تنازلات.
تعيين لو يمكن أن يفك هذا الجمود إذا سمح له البرلمان بالحكم، لكن أي اتفاق مع صندوق النقد سيتطلب على الأرجح إجراءات تقشفية قد تشعل رد فعل شعبي عنيف.
إجراءات التقشف المرتبطة بأي اتفاق مع صندوق النقد، بما في ذلك تسريح محتمل للعاملين في القطاع العام، لا تحظى بأي شعبية. نظمت النقابات احتجاجات في داكار منذ أبريل 2026 ضد ارتفاع تكاليف المعيشة وخفض الوظائف المرتبطة بالأزمة. كان سونكو، كزعيم شعبي كاريزمي، في موقع فريد يمكنه من تسويق أو على الأقل الدفاع عن التقشف أمام شارع متشكك. لكن لو، الذي يُنظر إليه على أنه مبعوث المصرفيين والمؤسسات المالية الدولية، يفتقر تماماً إلى هذه القاعدة الشعبية. سياسات حكومته الاقتصادية ستواجه معارضة من داخل البرلمان ومن الساحات العامة على حد سواء.
الخطوة الأولى والأكثر خطورة لرئيس الوزراء لو هي تشكيل حكومته وعرضها على الجمعية الوطنية التي يقودها سونكو للتصويت على منحها الثقة. هذا التصويت هو لحظة الحقيقة الأولى. الرفض من قبل أغلبية سلفه قد يعني شللاً حكومياً من اليوم الأول، وهو سيناريو من المرجح أن يجبر الرئيس على التفاوض مع سونكو أو الدعوة إلى انتخابات مبكرة.
رهان الرئيس فاي السياسي أصبح واضحاً الآن. إنه يراهن على أن الطريق الوحيد لتجنب التعثر الوطني يمر عبر أروقة صندوق النقد الدولي، وأن طريق سونكو الشعبوي كان يتجه مباشرة نحو هاوية اقتصادية. السؤال الآن هو ما إذا كان سونكو، من مقعده الجديد على رأس البرلمان، سيسمح للحكومة التكنوقراطية بشق هذا الطريق، أم أنه سيستخدم سلطاته الكبيرة لإغلاقه والتعجيل بأزمة مؤسسية أعمق.