تحتاج معالجات الذكاء الاصطناعي إلى رقائق منطقية متقدمة، لكن بناء منظومات الذكاء الاصطناعي يستهلك أيضاً ذاكرة عالية النطاق الترددي، وتقنيات تغليف متقدمة، ومعدات شبكات، ومراكز بيانات وطاقة كهربائية. لذلك لا تقتصر الأزمة على مكوّن واحد؛ فالطلب المتزايد على المعالجات يضغط على عدة حلقات مترابطة في سلسلة الإمداد.
وتعكس أرقام شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات (TSMC) قوة هذا السوق. فقد توقعت الشركة في أبريل إيرادات للربع الثاني بين 39.0 و40.2 مليار دولار، مقارنةً بـ30.1 مليار دولار قبل عام، بعدما قفز صافي ربح الربع الأول 58% إلى مستوى قياسي بلغ 572.5 مليار دولار تايواني. كما أفادت رويترز بأن المحللين توقعوا ارتفاع صافي ربح TSMC في الربع الثاني بنسبة 59% إلى 632.6 مليار دولار تايواني.
وفي وقت لاحق، أعلنت TSMC أن إيرادات يوليو بلغت 467.58 مليار دولار تايواني، بزيادة سنوية قدرها 44.7%، بينما تراوح توجيهها لإيرادات الربع الثالث بين 44.6 و45.8 مليار دولار. ولا تثبت هذه الأرقام أن كل عقدة تصنيع متقدمة قد بيعت بالكامل، لكنها تتسق مع سوق يمنح الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي أكبر شركات المسابك زخماً تجارياً قوياً.
عندما يعجز العميل عن الحصول على الطاقة الإنتاجية المطلوبة من مورّده المفضل، تكون أمامه خيارات مكلفة: الانتقال إلى مسَبك آخر، أو إعادة تصميم الشريحة، أو تأجيل إطلاق المنتج، أو دفع سعر أعلى لضمان التوريد. وقد تستغرق إعادة التصميم أو تغيير المورد وقتاً طويلاً، ما يجعل الزيادة السعرية أسهل نسبياً في الاستيعاب.
وهنا تتسع مساحة المناورة أمام سامسونغ. وحتى لو ظلت منافساً أصغر من TSMC في تصنيع الرقائق المتقدمة، فإن احتياج العملاء إلى مصدر إضافي للإنتاج يمنحها نفوذاً أكبر. كما أن امتداد الزيادات إلى تقنيات SF4 وSF5 و8 نانومترات يوحي بأن الأمر لا يتعلق بخط إنتاج واحد معزول.
وقد يملك العملاء الصينيون دافعاً إضافياً لحجز الطاقة المتاحة. فقيود التصدير الأمريكية تحد من الوصول إلى بعض رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة وتقنيات أشباه الموصلات، ما قد يزيد قيمة مسارات التصنيع التي تظل متاحة تجارياً. لكن الأدلة المتوفرة لا تحدد مقدار ما نتج تحديداً عن قيود التصدير مقارنةً بتأثير الطلب الأوسع على الذكاء الاصطناعي.
أغلقت أسهم سامسونغ عند 271,000 وون، مرتفعةً بنسبة 9.49% في بيانات السوق المشار إليها. لكن الأدلة لا تثبت أن إعلان زيادة أسعار المسابك وحده تسبب في هذه القفزة. فقد تزامنت معها عوامل أخرى، بينها توقعات بشأن سياسة إعادة العائد إلى المساهمين، فضلاً عن موجة صعود أوسع لأسهم أشباه الموصلات.
لذلك قد يكون المستثمرون قد قرأوا الزيادة باعتبارها إشارة إلى تحول في ميزان العرض والطلب، لا باعتبارها مجرد زيادة حسابية في سعر كل رقاقة. فبعد سنوات من صعوبة تحويل الطاقة الإنتاجية المتقدمة إلى أرباح مستقرة، يمكن للأسعار الأعلى أن تحسن اقتصاديات أعمال المسابك وتدعم إعادة تقييم السهم.
لكن من المهم عدم الخلط بين أداء سامسونغ العام وأداء وحدة المسابك تحديداً. فقد أشار تقرير في يوليو إلى تسجيل الشركة ربحاً تشغيلياً قياسياً بلغ 89.49 تريليون وون في الربع الثاني من عام 2026، مع توقع تجاوز إيرادات ذاكرة HBM4 ثلاثة أمثالها في الربع الثالث. وهذه الأرقام تعكس تعرض سامسونغ الأوسع لأشباه الموصلات، ولا تثبت أن وحدة المسابك وحدها حققت الربح القياسي أو أنها انتقلت رسمياً من خسائر سنوية منذ 2022 إلى ربح تشغيلي قياسي.
تمثل رقائق المسابك جزءاً واحداً فقط من تكلفة نظام الذكاء الاصطناعي. إلا أن ارتفاع تكلفة تصنيع الرقائق المتقدمة لفترة طويلة قد يرفع تكلفة المنظومة بأكملها، خصوصاً إذا تزامن مع ارتفاع أسعار الذاكرة والتغليف والشبكات والطاقة ومراكز البيانات.
وقد تمرر شركات تصميم الرقائق جزءاً من الزيادة إلى مزودي الحوسبة السحابية أو العملاء النهائيين. وفي المقابل، قد تلجأ شركات السحابة إلى رفع الأسعار، أو قبول هوامش أقل على المعدات، أو تحسين كفاءة البرمجيات، أو إطالة فترة إهلاك الأجهزة المكلفة. كما يمكن لمطوري الذكاء الاصطناعي تقليص عدد الرقائق المطلوبة عبر تحسين النماذج وأعباء الاستدلال.
لذلك لن يكون الأثر الفوري بالضرورة زيادة مباشرة ومماثلة في أسعار خدمات الذكاء الاصطناعي. لكن استمرار ارتفاع أسعار الرقائق والمكونات الأخرى قد يزيد كلفة إنشاء عناقيد التدريب، وكذلك تكلفة تشغيل القدرة اللازمة للاستدلال على المدى الطويل.
قد يدفع شح الطاقة الإنتاجية العملاء إلى تقديم طلبات احتياطية أو متداخلة لدى أكثر من مورد. ويجعل هذا السلوك الطلب يبدو أقوى على المدى القصير، لكن بعض الطلبات قد تؤجل أو تلغى إذا تغيرت جداول نشر الذكاء الاصطناعي، أو توسع المعروض، أو تباطأ الطلب النهائي.
هذه هي ظاهرة مضرب التنس في سلسلة أشباه الموصلات أو ما يعرف بتأثير السوط؛ إذ يمكن لتغير صغير في الطلب النهائي أن يتحول إلى تقلب أكبر بكثير في الطلبات عندما تبني الشركات مخزونات ثم تخفض مشترياتها فجأة. وإذا حدثت هذه الانعكاسات، فقد تهبط أسعار الرقائق ومعدلات تشغيل المصانع بسرعة، لتصل التداعيات إلى المسابك وموردي الذاكرة ومصممي رقائق الذكاء الاصطناعي والمستثمرين.
لهذا، فإن رفع سامسونغ للأسعار دليل إيجابي على ندرة الطاقة الإنتاجية في الوقت الحالي، لكنه ليس برهاناً على أن طفرة رقائق الذكاء الاصطناعي ستظل مقيدة بالعرض إلى الأبد. وسيحتاج المستثمرون إلى متابعة أحجام الطلبات المؤكدة، ومعدلات التشغيل، ونسب نجاح التصنيع، وأسعار الذاكرة، ومستويات مخزون العملاء، بدلاً من اعتبار زيادة الأسعار وحدها دليلاً على تحول مكتمل.
تظهر زيادات سامسونغ المعلنة في يوليو أن الطاقة الإنتاجية المتقدمة أصبحت ذات قيمة تكفي لفرض أسعار أعلى على بعض العملاء الجدد. وقد يؤدي ذلك إلى تحسين الإيرادات المتوقعة من أعمال المسابك، ومعدلات تشغيل المصانع، والهوامش، وهو ما يفسر لماذا اعتبر المستثمرون الخطوة محفزاً محتملاً لإعادة تقييم الشركة.
لكن الأدلة لا تدعم استنتاجاً سببياً بسيطاً بأن زيادة الأسعار وحدها دفعت سهم سامسونغ إلى 271,000 وون. والاستنتاج الأقوى هو أن الطلب على الذكاء الاصطناعي يمنح مصنّعي أشباه الموصلات نفوذاً سعرياً استثنائياً في الوقت الراهن، فيما قد يؤدي الإفراط في الطلب الاحتياطي لاحقاً إلى تراكم المخزون وزيادة مخاطر هبوط التقييمات.