لم يعلن كيفن وارش، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، أن رفع الفائدة في سبتمبر أصبح قرارًا محسومًا. لكنه وجّه الأسواق إلى إعادة حساب الاحتمالات: فبتركيزه على التضخم بوصفه «الأولوية الأساسية» للفيدرالي، وتأكيده أن هدف التضخم البالغ 2% وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) ثابت، حذّر من أن صناع السياسة «سيكون أمامهم عمل يتعين إنجازه» إذا لم يتحرك التضخم الأساسي نحو الهدف بوضوح وبسرعة كافية.
1
5
9
نتيجة ذلك، ارتفعت الاحتمالات المستخلصة من العقود الآجلة لأسعار الفائدة لرفع الفائدة في اجتماع سبتمبر من نحو 35% يوم الخميس إلى قرابة 58% بعد الخطاب، وفق بيانات أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال».
6 وكان هذا تحولًا في تسعير المخاطر، لا تأكيدًا على أن لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية اتخذت قرارًا نهائيًا بالرفع.
لماذا بدا خطاب وارش متشددًا؟
شكك الخطاب في اعتبار قراءات التضخم الأفضل من المتوقع خلال الصيف دليلًا كافيًا على اتجاه مستدام نحو تباطؤ الأسعار. وقال وارش إن تلك البيانات لا تثبت أن الاتجاهات الأساسية للتضخم «تحسنت بصورة ملموسة»، في وقت لا يزال فيه مقياس التضخم المفضل لدى الفيدرالي أعلى بكثير من هدفه.
فقد بلغ التغير السنوي في مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي 3.7%، مقابل هدف ثابت عند 2%، بينما بلغ القياس على مدى ستة أشهر 4.1%.
1
5
كما تجنب وارش تقديم توجيه مستقبلي واضح أو تحديد قاعدة ثابتة لرد فعل السياسة النقدية. وبذلك، ترك المستثمرين أسرى للبيانات المقبلة بدل مسار محدد سلفًا لأسعار الفائدة. وكانت الرسالة العملية مشروطة، لكنها تميل إلى التشديد: إذا لم يتجه التضخم نحو 2% بالسرعة الكافية، فقد يصبح المزيد من التشديد النقدي ضروريًا.
3
5
9
كيف انتقل أثر إعادة التسعير إلى الأسواق الناشئة؟
جاءت آلية الانتقال مباشرة نسبيًا:
- ارتفاع توقعات الفائدة الأميركية جعل الأصول المقومة بالدولار أكثر جاذبية.
- صعود الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة شددا الأوضاع المالية أمام المقترضين والمستثمرين خارج الولايات المتحدة.
- تراجع الإقبال على المخاطر ضغط على أسهم وعملات الأسواق الناشئة.
وأفادت تقارير السوق في ذلك الوقت بأن مؤشر MSCI لأسهم الأسواق النامية تراجع بما يصل إلى 1.4%، فيما انخفض مؤشر عملات الأسواق الناشئة 0.1%. وكانت الأسهم الكورية الجنوبية والتايوانية بين أبرز الخاسرين في الجلسة المشار إليها.
23
وتعرضت الروبية الإندونيسية والبات التايلندي لضغوط، في حين واجه البيزو الفلبيني هشاشة إضافية مرتبطة بالطاقة. فقد انخفض البيزو بما يصل إلى 0.6% إلى مستوى قياسي بلغ 62.236 بيزو للدولار في 28 أغسطس، بحسب تقرير نشرته «ذا إيدج ماليزيا».
37
وانسجم ذلك مع اتجاه أوسع ظهر في أسواق الصرف الآسيوية؛ إذ يرى محللون أن العملات الحساسة لأسعار النفط، ومنها الروبية والبات والبيزو، أكثر تعرضًا للأثر المشترك للدولار القوي وارتفاع تكاليف الطاقة.
34
45
لماذا زاد النفط من حدة التراجع؟
أضاف ارتفاع أسعار النفط صدمة ثانية إلى إعادة تسعير مسار الفائدة الأميركية. ففي الاقتصادات المستوردة للنفط، ترفع الطاقة الأغلى تكلفة الواردات وقد تزيد الضغوط على العملات والمراكز الخارجية. وربطت تقارير عن الأسواق الآسيوية بين ارتفاع النفط وقوة الدولار وضعف أصول الأسواق الناشئة.
21
42
كما يعقد النفط مهمة الفيدرالي في مكافحة التضخم. فإذا بقيت أسعار الطاقة مرتفعة، فقد تقل ثقة صناع السياسة في أن التضخم العام يتجه فعلًا إلى هدف 2%. ولا يعني ذلك تلقائيًا أن رفع الفائدة أصبح حتميًا، لكنه يجعل المستثمرين أقل استعدادًا لتسعير دورة تيسير نقدي وشيكة.
وهكذا اجتمعت ثلاثة عوامل ضاغطة: توقعات أكثر تشددًا للفائدة الأميركية، ودولار أقوى، ومخاوف متجددة بشأن إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط. وكانت اقتصادات مستوردة للنفط مثل تايلاند وإندونيسيا والفلبين تملك هامشًا أقل للمناورة، بعدما كانت تكاليف الطاقة تضغط أصلًا على عملاتها.
37
38
39
ما البيانات التي يراقبها المستثمرون الآن؟
ستتوقف المرحلة التالية من إعادة التسعير على ما إذا كانت البيانات الاقتصادية ستؤكد مخاوف وارش من استمرار التضخم، أم ستضعف مبررات التشديد الفوري.
بيانات التضخم الأميركية
سيركز المستثمرون على مؤشري PCE وCPI بحثًا عن دليل على تحرك التضخم نحو 2% بالوتيرة التي يراها الفيدرالي كافية. وسيعزز استمرار التضخم أو عودته إلى الارتفاع مبررات إبقاء الفائدة مرتفعة أو رفعها، بينما قد يؤدي تباطؤ واضح ومستمر إلى محو جزء من التحرك الذي أعقب الخطاب.
بيانات سوق العمل
ستساعد أرقام الوظائف، والبطالة، ونمو الأجور في تحديد مدى قدرة الاقتصاد على تحمل سياسة نقدية أكثر تشددًا. فبيانات توظيف قوية بالتزامن مع تضخم عنيد ستجعل رفع الفائدة في سبتمبر أكثر قابلية للتسعير، في حين قد يعيد تدهور سوق العمل الحاد تركيز الأسواق إلى مخاطر الضعف الاقتصادي.
الدولار وعوائد الخزانة والنفط
سيراقب المستثمرون أيضًا عوائد سندات الخزانة قصيرة الأجل، والدولار، وأسعار النفط. وتعكس العوائد القصيرة والدولار مدى قوة تسعير الأسواق لتشديد الفيدرالي، بينما يظل النفط مهمًا لكل من موازين التجارة الآسيوية وتوقعات التضخم الأميركية.
إعادة تسعير مهمة، لكنها لا تعني نهاية صعود الأسواق الناشئة
كان رد فعل السوق ملحوظًا، لكن التقارير المتاحة لا تثبت أن موجة الصعود الأوسع للأسواق الناشئة انتهت نهائيًا. ففي 31 أغسطس، كان مؤشر MSCI لعملات الأسواق الناشئة لا يزال في طريقه لتحقيق مكاسب شهرية قدرها 1.8%، هي الزيادة الشهرية الثانية على التوالي، رغم الضغوط التي أعقبت خطاب وارش.
39
وتكمن أهمية هذا التفريق في أن خطاب وارش رفع كلفة الرهان على سيناريو خفض الفائدة قريبًا، بينما ضاعف ارتفاع النفط الضغط على العملات الآسيوية الأكثر هشاشة. لكن تحول هذه الضغوط إلى انعكاس طويل الأمد سيعتمد على بيانات التضخم والتوظيف وأسواق الطاقة المقبلة، لا على الخطاب وحده.