لم تعد الحكومات تنظر إلى مراكز البيانات العملاقة باعتبارها مشاريع عقارية أو تقنية خاصة فحسب. فمع تسارع الطلب على البنية التحتية اللازمة لتشغيل الذكاء الاصطناعي، بدأت الكهرباء والمياه وسعة شبكات النقل وتكاليف البنية التحتية والمنافع المقدمة للمجتمعات المضيفة تدخل مباشرة في معادلة الموافقة على المشروع.
الخلاصة الأوسع هي انتقال السياسة من «ابنِ بسرعة» إلى «ابنِ فقط بعد احتساب التكلفة العامة». وتختلف الأدوات بين دولة وأخرى؛ فبعضها دخل حيز التنفيذ، وبعضها لا يزال في مرحلة المقترحات أو الأطر التنظيمية الأولية. لكنها تطرح سؤالاً واحداً: من سيدفع عندما تستهلك مراكز البيانات موارد كهرباء ومياه وبنية تحتية محدودة؟
نموذج تنظيمي عالمي آخذ في التشكل
يتعين على المطورين بصورة متزايدة إثبات أن مشاريعهم:
- تملك مصدراً موثوقاً للطاقة ولا تهدد استقرار الشبكة؛
- لا تنافس السكان والقطاعات الأخرى على موارد المياه؛
- تحد من آثارها البيئية؛
- تتحمل تكلفة الربط والبنية التحتية الإضافية التي تحتاج إليها؛ و
- تقدم فوائد قابلة للقياس للمجتمعات والاقتصادات المضيفة.
وقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع التكاليف الأولية، وزيادة متطلبات الإفصاح، وإطالة جداول الحصول على الموافقات. وفي المقابل، تحاول الحكومات إبقاء باب الاستثمار مفتوحاً عبر وضع قواعد أوضح بدلاً من السماح لكل مشروع بالاستفادة من الشروط نفسها.
تايلاند: رقابة مركزية وفحص أكثر صرامة للمشاريع
وافق مجلس الوزراء التايلاندي على إطار مسودة لتشكيل لجنة وطنية لسياسة مراكز البيانات، تتولى متابعة تأثير القطاع في الكهرباء والمياه وأمن البيانات والبيئة والمجتمعات المحلية.
33
كما يتجه مجلس الاستثمار التايلاندي إلى اعتماد آلية فحص تقوم على أربعة محاور:
- الفائدة التي يحققها المشروع للاقتصاد التايلاندي؛
- إمدادات الكهرباء وأمن الطاقة؛
- توافر موارد المياه وإدارتها؛ و
- الأثر البيئي.
ولن يقتصر التقييم الاقتصادي على حجم رأس المال الذي يجلبه المشروع. فقد شددت السلطات على فوائد محتملة مثل توفير وظائف عالية المهارة، وتطوير المهندسين والفنيين التايلانديين، وتعزيز سلاسل الإمداد المحلية، وتوسيع وصول الشركات المحلية والشركات الناشئة والجامعات إلى خدمات الحوسبة السحابية وأدوات الذكاء الاصطناعي.
37
وتبحث تايلاند أيضاً في ضمانات مالية وتنظيمية إضافية. وتشمل المقترحات المتداولة خططاً لإدارة المياه على مستوى كل مشروع، وإمكان تقسيم المناطق وفقاً لتوافر البنية التحتية والمياه، وفرض رسوم كهرباء أعلى أو منفصلة، إلى جانب ضمان مقدم مرتبط بتخصيص سعة الكهرباء.
34
35
39
ومن بين المقترحات المعلنة إيداع ضمان بقيمة 4.5 ملايين بات تايلاندي لكل ميغاواط. ويهدف الإجراء إلى الحد من حجوزات الكهرباء المضاربية وحماية الاستثمارات اللازمة للشبكة، لكنه يظل، وفق الأدلة المتاحة، مطلباً مقترحاً أو قيد التطوير وليس قاعدة نهائية مطبقة بصورة شاملة.
40
44
ومع أن التفاصيل النهائية لم تُحسم كلها، فإن الاتجاه واضح: تريد تايلاند من مراكز البيانات أن تثبت أن طلبها على الموارد قابل للإدارة، وأن مساهمتها الاقتصادية تبرر الضغط الذي تضعه على البنية التحتية الوطنية.
أستراليا: مراكز البيانات الكبيرة مطالبة بتأمين طاقة جديدة
يتخذ الإطار الوطني المقترح في أستراليا نهجاً أكثر وضوحاً في تحميل الشركات تكلفة استهلاكها للكهرباء. فمن المنتظر أن تلتزم مراكز البيانات الكبيرة بتمويل أو ضمان إنشاء قدرات توليد كهرباء جديدة، وأن تضخ في الشبكة طاقة لا تقل عن الطاقة التي تستهلكها، وأن تتحمل كامل حصتها من تكاليف الربط بالشبكة.
49
51
وتتضمن المقترحات كذلك تقليل استخدام المياه، وتمويل أي بنية تحتية إضافية للمياه تكون ضرورية، وخفض الطلب على الكهرباء عندما يتعرض نظام الطاقة للضغط.
50
52
وتستهدف الحكومة طرح التشريع أمام البرلمان في أوائل عام 2027، ولذلك لا تعادل هذه المتطلبات حتى الآن قانوناً نافذاً على غرار القواعد التشغيلية القائمة.
51
58 وإذا أُقرت بالصيغة المعلنة، فستتعامل مع مراكز البيانات الكبيرة بوصفها أطرافاً مشاركة في نظام الطاقة، لا مجرد أحمال ضخمة تعتمد على السعة القائمة.
وبالنسبة إلى المطورين، لن يكون العثور على موقع مناسب كافياً. إذ سيحتاج المشروع أيضاً إلى خطة موثوقة لتوفير توليد جديد، وإمدادات مستقرة، وتغطية تكاليف الشبكة، وتأمين البنية التحتية للمياه.
نيويورك: توقف لمدة عام لصياغة معايير جديدة
اختارت نيويورك تجميداً مؤقتاً لجزء من إجراءات التصاريح. ففي 14 يوليو، وقّعت الحاكمة كاثي هوكول أمراً تنفيذياً أوقف لمدة تصل إلى عام بعض التصاريح البيئية التقديرية في الولاية لمراكز البيانات الجديدة أو المتوسعة ذات النطاق فائق الضخامة، التي تستهلك أو يمكنها استهلاك 50 ميغاواط على الأقل.
17
19
ويمنح التوقف وكالات الولاية وقتاً لإعداد إطار أوسع لتقييم الآثار البيئية، وتأثيرات الشبكة، واستخدام المياه، وتكاليف البنية التحتية، ومخاوف المجتمعات المضيفة. وتقول الولاية إن العملية تهدف إلى حماية مستهلكي الكهرباء من تحمل تكلفة توسعات النقل والبنية التحتية المرتبطة بالمشاريع الجديدة.
17
23
ولا يمثل الإجراء حظراً شاملاً على جميع أنشطة مراكز البيانات. فهو يوقف أنواعاً محددة من الموافقات البيئية على مستوى الولاية أثناء وضع المعايير، كما قد تحظى الطلبات التي اعتُبرت مكتملة قبل صدور الأمر بمعاملة مختلفة.
29
32
وبذلك تعطي نيويورك الأولوية لوضوح القواعد وتحديد الجهة التي تتحمل التكاليف، قبل السماح لأكبر المشاريع بالانتقال إلى المراحل المتبقية من إجراءات الترخيص.
تكساس: تدقيق قائمة طلبات الربط قبل الموافقة على مشاريع جديدة
استخدمت تكساس إجراءات ربط المشاريع بشبكة الكهرباء كنقطة تحكم. ففي 3 أغسطس، وجّه الحاكم غريغ أبوت لجنة المرافق العامة في تكساس ومجلس موثوقية الكهرباء في تكساس، المعروف اختصاراً بـ ERCOT، إلى إجراء تدقيق شامل لمشاريع مراكز البيانات التي تتقدم عبر عملية الربط بالشبكة، قبل السماح بمضي مشاريع إضافية.
2
7
ويجمع التدقيق معلومات على مستوى المشروع بشأن:
- الطلب المتوقع على الكهرباء واستراتيجية التوليد؛
- استخدام المياه وعمليات التبريد؛
- الحوافز والمساعدات المالية العامة؛
- الملكية؛ و
- التأثيرات في المجتمعات المحلية.
وقد تُحرم المشاريع التي لا تستوفي المتطلبات المعمول بها من الوصول إلى الشبكة.
11
14
كما أثر التوقف في الجدول الزمني لأعمال تخطيط النقل التي يجريها ERCOT. وتشير التقارير إلى أن المراجعة قد تستغرق عدة أشهر، وقد تشمل ما يصل إلى 300 مشروع، معظمها مراكز بيانات.
9
12
ولا تفرض تكساس قاعدة أستراليا المقترحة الخاصة بأن تصبح المراكز «مولداً صافياً» للطاقة، كما أنها لا تطبق تجميداً شاملاً للتصاريح البيئية على غرار نيويورك. لكنها تطرح سؤال تحقق أساسياً قبل الربط: هل يملك كل مشروع خطة موثوقة للطاقة والمياه والتمويل وتأثيره في المجتمع؟
الهند: اعتراضات محلية واضحة، لكن الادعاء الاستثماري الأوسع غير مثبت
لا تتضمن الأدلة المتاحة مصدراً موثوقاً يوثق بصورة مستقلة الطعون القانونية والاحتجاجات المبلغ عنها بشأن مشروع Google–Adani المقترح في فيساكاباتنام، أو المعارضة في ثين. كما أنها لا تثبت نقص المياه المزعوم البالغ 70 مليون لتر يومياً، ولا تثبت أن هذه النزاعات تسببت بالفعل في تباطؤ قابل للقياس في الاستثمار الأجنبي في الهند ككل.
والاستنتاج الأكثر قابلية للدفاع عنه أضيق نطاقاً: عندما تعترض المجتمعات المحلية على مشروع مركز بيانات بسبب المياه أو البنية التحتية أو توزيع المنافع الاقتصادية، فقد يواجه المطور مخاطر أكبر في تنفيذ المشروع، وأعمال امتثال إضافية، وجداول زمنية أطول. أما إطلاق حكم سببي واسع بشأن تباطؤ الاستثمار الأجنبي في الهند، فيتطلب أدلة أقوى ومحددة بالسوق الهندية.
كيف تتغير اقتصاديات مراكز البيانات؟
تنتج عن هذا الاتجاه في الولايات القضائية الأربع مجموعة من الآثار المحتملة:
- انتقال مزيد من التكاليف إلى المطورين: أصبح توليد الكهرباء الجديد، والربط بالشبكة، وبنية المياه التحتية، وإجراءات التخفيف، والإفصاح جزءاً من دراسة الجدوى، بدلاً من تركها للأسر أو مستهلكي الكهرباء الحاليين أو البلديات.
- تصاريح أكثر اعتماداً على المعلومات: قد تضيف دراسات الموارد، وتدقيقات الربط، ومراجعات أثر المشروع في المجتمع وقتاً أطول قبل بدء البناء.
- زيادة أهمية اختيار الموقع: ستواجه المشاريع المعتمدة على كهرباء رخيصة من الشبكة، أو مياه نادرة، أو حوافز غير شفافة، أو موافقات سريعة بصورة استثنائية، مخاطر تنظيمية أكبر.
- تحول المنافع المحلية الموثوقة إلى عامل تجاري: قد تساعد خطط الطاقة النظيفة، وأنظمة التبريد منخفضة استهلاك المياه، وشفافية الملكية، والمساهمات الاقتصادية القابلة للقياس، المشاريعَ في الحصول على الموافقة حتى مع ارتفاع سقف المتطلبات التنظيمية.
الخلاصة
لا تشير هذه السياسات إلى أن الحكومات تخلت عن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، بل إلى أن شروط التوسع تتغير.
تتحرك تايلاند نحو رقابة مركزية ودعم انتقائي للاستثمار. وتستعد أستراليا لإطار وطني يلزم المنشآت الكبيرة بالمساهمة في توفير الطاقة التي تستهلكها. وأوقفت نيويورك بعض تصاريح المشاريع الكبيرة مؤقتاً ريثما تضع معايير جديدة، بينما تدقق تكساس المشاريع قبل منحها وصلات جديدة بشبكة ERCOT.
والمبدأ المشترك هو إدخال التكاليف العامة في حسابات المشروع: إذ يُطلب من مطوري مراكز البيانات بصورة متزايدة إثبات أن استهلاكهم للكهرباء والمياه مستدام، ودفع تكلفة البنية التحتية التي يحتاجون إليها، وشرح ما الذي ستكسبه المجتمعات المضيفة في المقابل.