قد تختلف الأرقام والتفاصيل بين تقرير وآخر، لكن الخلاصة المشتركة واضحة: سلامة السفن التجارية أصبحت جزءاً من معادلة الضغط العسكري والدبلوماسي، وهذا النوع من المخاطر ينتقل سريعاً إلى التأمين، وأسعار الشحن، وحسابات توريد الطاقة .
جوهر الواقعة، وفق ما هو متاح في التقارير العامة، أن سفناً مدنية تعمل في التجارة البحرية تعرضت لضغط عسكري مباشر أثناء عبورها أو اقترابها من مضيق هرمز. تقرير 18 أبريل/نيسان أشار إلى أن سفناً تجارية تعرضت لإطلاق نار وتهديدات عند محاولة عبور المضيق، وأن إيران أعادت إغلاق طريق تجاري حيوي بعد فتح مؤقت . أما تقرير 23 أبريل/نيسان فأورد أن إيران أطلقت النار على ثلاث سفن واحتجزت اثنتين منها قرب الممر .
وتذهب استشارة مخاطر بحرية صادرة للفترة نفسها إلى أن الأمن البحري في مضيق هرمز تدهور، مشيرة إلى تقارير عن إطلاق نار على سفن تجارية، واحتجاز إيران لسفينتي حاويات، واشتباه في نشر ألغام بحرية . هذه ليست تفاصيل هامشية في عالم الشحن؛ فمجرد الاشتباه بوجود ألغام يمكن أن يجعل قرار العبور أكثر تعقيداً، كما أن عمليات إزالة الألغام قد تستغرق أشهراً وفق التحذيرات التي أوردتها الاستشارة نفسها .
لذلك لا تكمن أهمية القصة فقط في عدد السفن التي تضررت أو احتُجزت. الأهم أن سفن الشحن المدنية وجدت نفسها في قلب مواجهة أوسع، وأن المرور عبر مضيق هرمز لم يعد يُقرأ كمسألة لوجستية بحتة، بل كاختبار أمني وسياسي يومي .
مضيق هرمز هو الممر البحري الضيق الواقع بين إيران وعُمان، ويُنظر إليه كأحد أهم ممرات الطاقة والتجارة البحرية في العالم . وتشير بعض التقارير إلى أنه مرتبط بنحو خُمس تدفقات النفط أو السوائل البترولية عالمياً .
لهذا السبب، عندما تتعرض سفينة تجارية لإطلاق نار أو احتجاز هناك، لا يتوقف الأثر عند مالك السفينة أو طاقمها. شركات الشحن تعيد حساب المخاطر، وشركات التأمين تراجع شروط التغطية، والتجار والمستوردون ينظرون من جديد إلى مواعيد التسليم وكلفة النقل. وذكرت صحيفة The National أن نقل البضائع عبر مضيق هرمز مرشح لأن يصبح أكثر كلفة وخطورة، مع إلغاء بعض شركات التأمين للتغطية وفرض شركات الشحن رسوماً إضافية .
بمعنى آخر، المضيق يعمل كعنق زجاجة: عندما يضيق هامش الأمان فيه، تتسع دائرة القلق خارجه.
الخطر الأول والأكثر مباشرة هو سلامة البحّارة. فقد نقلت أخبار الأمم المتحدة أن إغلاق السفن أو عرقلة مرورها في مضيق هرمز جعل السفن والبحّارة بمثابة «ورقة ضغط» في النزاعات الجيوسياسية . ووفق التقرير نفسه، علق ما يصل إلى 20 ألف بحّار على نحو 2,000 سفينة في الخليج، وسط صعوبة المرور الآمن نتيجة تداعيات الصراع بين الولايات المتحدة وإيران .
هذا يوضح أن الأزمة لا تُقاس فقط بعدد السفن التي تتحرك أو تتوقف. فكل سفينة عالقة تعني طاقماً ينتظر، ومؤناً تُدار بحذر، وجداول عمل تتغير، وضغطاً إنسانياً وقانونياً على الشركات والدول والمنظمات البحرية.
كما أن طبيعة المخاطر متعددة: إطلاق نار، احتجاز سفن، واشتباه في ألغام بحرية . هذه العناصر ترفع مستوى عدم اليقين؛ فالسفينة لا تواجه فقط احتمال التأخير، بل قد تواجه قراراً أصعب: هل تعبر، أم تنتظر، أم تغيّر خطتها التشغيلية؟
أول قناة انتقال هي التأمين. عندما تُصنَّف منطقة بحرية بأنها عالية المخاطر، قد تُرفع الأقساط أو تُلغى بعض التغطيات أو تُفرض رسوم مخاطر حرب. وذكرت The National أن شركات تأمين ألغت تغطيات، وأن شركات شحن بدأت فرض رسوم إضافية، كما أعلنت Hapag-Lloyd فرض War Risk Surcharge على الشحنات من وإلى الخليج العربي .
القناة الثانية هي التأخير. إذا قررت سفن الانتظار قبل العبور أو تجنب المضيق مؤقتاً، فإن مواعيد التسليم تتأثر. وقد أفاد موجز يومي لـ Lloyd’s List بأن ناقلات تجنبت مضيق هرمز وسط تدهور الوضع الأمني، وأن إجمالي حركة السفن عبر الممر انخفض في لحظة معينة بنسبة 38% . حتى إن لم يتوقف الشحن تماماً، فإن انخفاض الحركة بهذا الحجم يعكس كيف تتحول المخاطر الأمنية إلى قرارات تشغيلية فعلية .
القناة الثالثة هي الطاقة. فالمضيق مرتبط، بحسب تقارير، بنحو خُمس تدفقات النفط أو السوائل البترولية عالمياً . لذلك فإن أي تهديد مطوّل لعبور السفن يمكن أن يضيف علاوة مخاطر إلى حسابات السوق: كلفة نقل أعلى، تأمين أغلى، ومزيد من الحذر في تسعير الإمدادات .
لا توجد، في المواد المتاحة، حصيلة موحدة يمكن اعتمادها كرقم نهائي لكل السفن المتأثرة. تقرير أسوشيتد برس تحدث عن إطلاق نار على ثلاث سفن واحتجاز اثنتين . تقارير أخرى وصفت بصورة أوسع تعرض سفن تجارية لإطلاق نار وتهديدات أثناء محاولة العبور . كما أوردت تقارير أخرى أرقاماً أكبر عن سفن تعرضت لهجمات في الخليج ومحيط مضيق هرمز .
لذلك فإن السؤال الأهم الآن ليس فقط: كم سفينة تضررت بالضبط؟ بل: هل أصبح عبور السفن التجارية في مضيق هرمز جزءاً من أدوات الضغط في الصراع؟ ما تظهره التقارير هو أن المخاطر الأمنية على السفن بدأت تنتقل بسرعة إلى حسابات التأمين والشحن والطاقة .
في النهاية، لا تبدو هجمات السفن التجارية قرب مضيق هرمز حادثاً معزولاً يخص سفينة أو سفينتين فقط. إنها تذكير بأن أمن ممر بحري واحد يمكن أن يؤثر في سلامة البحّارة، وكلفة الشحن، وثقة الأسواق، وحسابات الطاقة في وقت قصير جداً .