أما السؤال الثاني، أي المسؤولية، فهو أضيق من حيث ما هو مثبت علناً. عدة وسائل إعلام لخصت تقريراً منسوباً إلى وول ستريت جورنال قالت فيه إن الإمارات نفذت ضربات سرية داخل إيران، شملت هجوم مطلع أبريل على مصفاة جزيرة لاوان . والتقارير نفسها تشير إلى أن أبوظبي لم تعلن مسؤوليتها أو تؤكد العملية علناً
. لذلك، الصياغة الأدق هي: ضربة منسوبة إلى الإمارات في تقارير إعلامية، لا ضربة إماراتية مؤكدة رسمياً.
الغموض الأساسي هو غموض النسبة. الرواية الإيرانية الأولى تحدثت عن هجوم من عدو، لكنها لم تسمّ الجهة المنفذة . أما النسبة إلى الإمارات فجاءت لاحقاً عبر تقارير إعلامية تستند إلى أشخاص مطلعين على الأمر، لا إلى بيان إماراتي رسمي
.
هذا الفارق ليس تفصيلاً لغوياً. فالعمليات السرية أو القابلة للإنكار قد تحمل رسالة ردع قوية، لكنها لا تترك السجل الدبلوماسي نفسه الذي يتركه إعلان رسمي عن عملية عسكرية. حتى الآن، لا تتيح المصادر المتاحة معرفة تفاصيل التنفيذ، أو سلسلة القرار، أو التبرير الإماراتي الرسمي إن وُجد.
لاوان ليست مجرد جزيرة بعيدة على الخريطة. هي موقع نفطي في الخليج، ومصفاتها تعمل بطاقة قالت الشركة الإيرانية إنها تبلغ 55 ألف برميل يومياً . استهداف منشأة من هذا النوع ينقل المواجهة من ضرب منصات عسكرية أو اعتراض صواريخ وطائرات مسيرة إلى دائرة البنية التحتية للطاقة.
التوقيت زاد خطورة الرسالة. فبحسب الشركة الإيرانية، وقع الهجوم بعد ساعات من إعلان الولايات المتحدة وإيران هدنة لأسبوعين بهدف استكمال اتفاق سلام . حتى لو بقيت الجهة المنفذة محل نزاع، فإن ضرب مصفاة خلال نافذة هدنة يضعف الثقة بأن التهدئة على الأرض تسير فعلاً كما تُعلن في البيانات السياسية.
إذا تأكدت النسبة إلى الإمارات، فالمعنى الاستراتيجي سيكون كبيراً. فالتقارير صورت الإمارات كدولة انتقلت من موقع المتلقي لهجمات إيرانية إلى طرف يشارك مباشرة بضرب بنية تحتية داخل إيران . وذكرت جيروزاليم بوست، في تلخيصها للرواية نفسها، أن الضربات السرية جاءت رداً على استهداف إيران بنى مدنية وطاقوية إماراتية
.
سيعني ذلك، إن صح، أن معادلة الردع في الخليج لم تعد تقتصر على إسقاط الصواريخ والطائرات المسيرة، بل قد تشمل رداً داخل الأراضي الإيرانية. كما سيشير إلى أن دولاً خليجية تمتلك منظومات دفاعية متقدمة وموردة غربياً قد ترى أن حماية منشآت الطاقة لا تتم بالدفاع وحده عندما تتعرض البنية الحيوية للتهديد .
الأحداث المحيطة تُظهر كيف يمكن لضربة واحدة على مصفاة أن تصبح جزءاً من تبادل أوسع. في 8 أبريل، قالت الإمارات إن دفاعاتها الجوية كانت تتعامل مع وابل صواريخ إيراني وارد . وفي الوقت نفسه، تحدثت تقارير عن هجمات إيرانية على الكويت تسببت بأضرار في منشآت كهرباء وتحلية ومرافق نفطية
. كما ذكرت جيروزاليم بوست أن إيران أطلقت لاحقاً وابلاً آخر من الطائرات المسيرة والصواريخ باتجاه الإمارات والكويت رداً على هجوم لاوان، مع الإشارة إلى أنه لم يكن هناك تأكيد رسمي حينها لهوية منفذ الضربة
.
الخطر هنا يتفرع إلى ثلاثة مسارات:
الخلاصة المختصرة: الهجوم مؤكد بدرجة جيدة، أما المسؤولية الإماراتية فمبلّغ عنها وليست مؤكدة رسمياً. الرواية الإيرانية الرسمية والإعلامية تثبت أن مصفاة لاوان تعرضت لهجوم وحريق في 8 أبريل . أما القول إن الإمارات نفذته فيستند إلى تقارير لاحقة نقلت عن وول ستريت جورنال، مع تأكيد تلك التقارير أن أبوظبي لم تعلن العملية علناً
.
إذا ثبتت النسبة لاحقاً، فستكون تلك علامة تصعيد مهمة: دولة خليجية تضرب منشأة طاقة إيرانية في لحظة نزاع شديدة الحساسية. وحتى يحدث ذلك، يبقى التوصيف الأكثر أمانة هو أنها ضربة منسوبة إلى الإمارات، لا ضربة مؤكدة رسمياً؛ لكنها، حتى بوصفها تقريراً غير محسوم، تكشف هشاشة ميزان الأمن في الخليج.
Comments
0 comments