المشكلة الجوهرية التي كشف عنها الاستطلاع هي أن الشركات تموّل المزيد من الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي على أساس وفورات لم تصل بعد. بكلمات أخرى، العديد من المدراء التنفيذيين يوافقون على زيادة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي بناءً على افتراض أن هذه التقنية ستُحقق وفورات تعوض التكاليف. عندما تفشل هذه الوفورات في الظهور، يصبح نموذج التمويل بأكمله هشاً وغير مستدام
.
هذه الديناميكية جزء من نمط أكبر رصدته Bain في أبحاثها حول أجندة النمو للشركات. فبينما تتوقع الشركات نمواً أكبر في الإيرادات بنسبة 20% في 2026 مقارنة بالعام السابق، يفتقر الكثير منها إلى البنية التحتية للبيانات وقدرات الذكاء الاصطناعي اللازمة لتحقيق هذه الأهداف. 60% من القادة الذين شملهم الاستطلاع يعترفون بأنهم لا يمتلكون البنية التحتية للبيانات أو التقنية المطلوبة لتوسيع نطاق الذكاء الاصطناعي بفعالية
.
الأرقام المالية تدعم هذا القلق. يخطط المدراء الماليون لزيادة إنفاق الشركات على الذكاء الاصطناعي بشكل كبير: 83% يتوقعون زيادة ميزانيات الذكاء الاصطناعي بأكثر من 15% خلال العامين المقبلين، و 42% يخططون لزيادات تصل إلى 30% أو أكثر في الفترة نفسها
. في المقابل، حوالي 23% فقط من المدراء التنفيذيين يمكنهم اليوم الإشارة إلى نتائج ملموسة في الإيرادات أو التكاليف من الذكاء الاصطناعي التوليدي
. هذا التباين الحاد بين النمو الكبير في الإنفاق والعوائد الفاترة هو ما تُسلط Bain الضوء عليه بصفته "الواقع الهيكلي غير المريح".
تُشير أبحاث Bain إلى أن الحل ليس في التراجع عن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، بل في تغيير جذري لطريقة السعي وراء الوفورات منه. تنصح الشركة بالتوقف عن التعامل مع الذكاء الاصطناعي كمجرد "إضافة" قائمة بذاتها ستُحقق وفورات تلقائية. في تحليل منفصل، تؤكد Bain أن مكاسب الإنتاجية وحدها لن تُحقق عائداً على الاستثمار للشركات التي تضخ أموالاً في الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتضيف أن "الشركات الرائدة تسير على طريق تحقيق وفورات في التكاليف تصل إلى 25% من خلال الجمع بين إعادة تصميم شاملة للعمليات ونشر أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي" .
عملياً، هذا يعني دمج الذكاء الاصطناعي داخل إصلاحات تشغيلية أوسع بدلاً من تركيبه فوق سير العمل الحالي. بحث Bain حول الأتمتة يُعزز هذه الفكرة: الشركات التي استثمرت بكثافة في الأتمتة - أي تلك التي خصصت 20% على الأقل من ميزانية تقنية المعلومات لها - حققت وفورات في التكاليف بمتوسط 22%، مقارنة بأقل من 8% فقط للشركات التي استثمرت أقل من 5% . الشركات التي ترى أفضل النتائج لا تنشر المزيد من الذكاء الاصطناعي فحسب، بل تنشره ضمن عمليات أُعيد تصميمها لإلغاء خطوات كاملة من العمل، وليس فقط لتسريع الخطوات الحالية
.
كما تؤكد Bain أن "الرابحين في النمو" ينشرون عدداً أكبر بكثير من حالات الاستخدام مقارنة بالمتأخرين - بمتوسط 4.5 حالة استخدام مقابل 3.3 فقط - ويحققون ما يقرب من ضعف كفاءة التكلفة لأي حالة استخدام معينة . التوصية الأوسع من الشركة هي التوقف عن قياس نجاح الذكاء الاصطناعي بمجرد النشر، والبدء بربطه بنتائج محددة بوضوح على صعيد العمليات والمالية، مدعوماً بالبنية التحتية للبيانات والتقنية التي يفتقر إليها حالياً 60% من الشركات
.
استطلاع Bain، الذي نُشر في 1 يونيو 2026، يأتي في لحظة يتسارع فيها الإنفاق المؤسسي على الذكاء الاصطناعي بينما لا يزال العائد على الاستثمار بعيد المنال بالنسبة لمعظم الشركات. كانت Bain قد حسبت بشكل منفصل أن بناء مراكز البيانات اللازمة لتلبية الطلب العالمي على الذكاء الاصطناعي بحلول 2030 قد يتطلب استثمارات رأسمالية سنوية بقيمة 500 مليار دولار، وإيرادات سنوية جديدة بقيمة 2 تريليون دولار لتمويلها بشكل مستدام - وهو رقم لا تصل إليه حتى أكثر توقعات الوفورات تفاؤلاً
. وبالتالي، فإن الإخفاق الحالي في تحقيق الوفورات ليس مجرد خيبة أمل تكتيكية، بل هو تحذير من أن نموذج التمويل الذي يقوم عليه الذكاء الاصطناعي المؤسسي يسير في مسار غير مستدام بالنسبة للعديد من الشركات.
الاستنتاج الأكثر إلحاحاً من الاستطلاع هو أن الشركات لم تعد تستطيع تحمل التعامل مع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي على أنه "قفزة إيمان" مدعومة بجداول بيانات لوفورات لا تأتي أبداً. بدلاً من ذلك، تحتاج إلى إعادة بناء الجسر بين الطموح والواقع التشغيلي، بدءاً من إعادة تصميم العمليات وقياس ما إذا كانت التخفيضات الموعودة في التكاليف تظهر فعلاً في بيان الأرباح والخسائر.
Comments
0 comments